منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٩٨

الفصل التمهيدي

وفي كتاب المحاربة لبشير بن محمد بن محبوب إشارات إلى استعمال المنهج المنطقي مثل اللزوم والاستدلال، كما ورد فيه ذكر للسمنية والسفسطائية مما يفيد اطلاع المؤلف على الآثار السابقة في المنطق والجدل. ولعل هذا مما يرجح توجه المدرسة الإباضية الأصولية إلى نهج المتكلمين منذ بذورها الأولى. ثم لحقتها الصناعة المنطقية مع كتابات نجاد بن موسى في مؤلّفه الأكلة وحقائق الأدلة، ثم لم يتبعه على هذا النهج معظم الإباضية المشارقة، بل ظلوا يرددون ما كتبه ابن بركة في جامعه ترديدا أمينا دون إضافة تذكر. وفي جناح المغرب الإسلامي برز أبو يعقوب الوارجلاني حاملا لواء المنطق؛ فوضع فيه رسالته المركزة مرج البحرين في المنطق والفلسفة، و الرجل متكلم ضليع كتب في هذا المجال مؤلفا متميزا هو الدليل والبرهان، فظهر أثر نهجه الكلامي في كتابه الأصولي العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه

والاختلاف.

وقد جعل الوار جلاني المنطق أحد أركان العلم الأربعة «فأصول اللسان: اللغة والنحو؛ وأصول الجنان المنطق والفقه، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها؛ إذ باللغة يكون البيان؛ وبالنحو يكون التبيان؛ وبالمنطق تظهر حجج البرهان؛ وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن، فنسبة

المنطق إلى العقل في المعقولات كنسبة النحو إلى اللسان في المقولات» (1). بل إن الوَارِخلاني جعل البرهان المنطقي رأس العلوم، وسائر العلوم فرع عنه، وقال: فاكتنف هذا الخلق بحران عظيمان زاخران لجيان؛ بحر الألفاظ والكلم وبحر المعاني والحكم، وانفرد اللسان بالنطق والجنان بالمنطق؛ فما وليه اللسان من النطق كان بيانا وما وليه الجنان بالمعنى كان برهانا» (2). وعلى نفس النهج في رفع لواء المنطق وتوظيف قواعده في التصنيف سار أبو عمرو السوفي في السؤالات وتبغورين الملشوطي في الأدلة والبيان. ثم تنامى الاهتمام بالصناعة المنطقية لدى أبي القاسم البَرَّادِي إذ وضع رسالة الحقائق في التعاريف وضبط الاصطلاحات والحدود، وتجلى هذا الاهتمام

1) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 2. 2 الوار خلاني، الدليل والبرهان، 2: 88.

98