منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ١٠

وعلا يسمى صعيدا لكان الحيوان وما كان في معناه يسمى صعيدا، بل اسم الصعيد اسم علم ليس باشتقاق، ألا ترى إلى قول الشاعر:

قوم حنوطهم الصعيد وغسلهم نجع الترائب والرؤوس تقطف»(1).

* نقض الصوم بما هو غير مغذ: رد ابن بركة على قول أبي حنيفة بأن أكل الجص والحصى وما جرى هذا المجرى لا ينقض الصوم، وقد بنى اعتراضه على تحقيق المعنى اللغوي "الصوم"، وفي هذا يقول: «الأكل اسم جامع يقع على الأغذية وغيرها، ولو كان الصوم يمنع من الأغذية دون غيرها لبُيِّن ذلك في السنة، ولكنا تبُعبِّدنا بالصوم الذي يعرف في اللغة، وهو الإمساك والكف، ومن أكل غير الأغذية فليس بممسك ولا يستحق اسم صائم، وقد حرم الله الأكل على الصائم، وكل من استحق اسم آكل فصومه باطل»(2).

* إطلاق الضالَّة على اللقطة: قال ابن بركة تعليقا على حديث: «لاَ يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٌّ»(3): «فذهب بعض الناس إلى أن اسم الضالَّة يقع على اللقطة، وإن ضمانها غير زائل وإن عرَّفها بظاهر الخبر … ، ومن قال إن اللقطة يقع عليها اسم ضالَّة فعندي أن قوله غلط؛ لأنَّ اللقطة لا يقع عليها اسم ضالَّة، والضالَّة إنما تكون في الحيوان، ولا يعرف الناس في كلامهم غير هذا، والله أعلم؛ لأنهم يقولون في اللقطة ضاعت وسقطت، وفي الحيوان ضلت وذهبت، ونحو هذا وجدته لأبي عبيد القاسم بن سلام»(4).

رابعا: قواعد أصول الفقه:

ولا خلاف في أهمية علم الأصول في ضبط عملية الاجتهاد، وتقويم طرق الاستدلال، ويؤكد ابن بركة هذا العلم بالنسبة للمجتهد بقوله: «فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سننه … »(5). وفيما يلي طائفة من القواعد التي وظفَّها في النقد:

* نسخ النص المتقدِّم بالمتأخِّر: وهذا في مسألة حكم الوضوء بالنبيذ، فقد نقل عن أبي حنيفة قوله بالجواز عند عدم الماء(6)، وقد ردَّ ابن بركة هذا الرأي من عدة أوجه منها قوله: «ولو ثبت التطهُّر بالنبيذ في زمان من الأزمان كان منسوخا؛ لأنَّ ليلة الجن التي روي الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكة، ونزل فرض التيمم بالمدينة، فكان التيمم عند عدم الماء ناسخا للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه»(7).

* لا تخصيص إلا بدليل: في مسألة من نذر نذرا في حال كفره هل يجب الوفاء به بعد إيمانه؟ فذهب ابن بركة إلى القول بالوجوب، واحتج له بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب بالوفاء بنذره الذي نذره في الجاهلية بقوله: «أوفِ بنذرك»(8)

(1) () … الجامع، 1/ 506.

(2) () … الجامع، 2/ 1062.

(3) () … مسند الربيع، كتاب الأحكام، رقم:614. سنن ابن ماجه، كتاب اللقطة، رقم:2503.

(4) () … الجامع، 1/ 356. ينظر: غريب الحديث لابن سلام، 2/ 203.

(5) () … الجامع، 1/ 62.

(6) () … الكاساني: بدائع الصنائع، 1/ 15.

(7) () … الجامع، 1/ 449.

(8) () … البخاري، كتاب الاعتكاف، رقم:2032. الترمذي، أبواب النذور والأيمان، رقم:1539.