منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ٩جاز القول به، إذا لم يكن معارضا له ولم تقم الدلالة على فساده. والخبر قاضٍ على الآية التي تعلَّق بظاهرها أبو عبيدة في سورة الأنعام(1)؛ لأنَّ الخبر لا يخلو أن يكون ناسخا أو مبيِّنا لمعناها؛ لأنه ورد بعد نزولها»(2). وفي هذا النص يتجلَّى منهجه في التعامل مع السنة إذا عارضت نصًّا من الكتاب.
3 - الإجماع:
الأصل الثالث من أصول التشريع عند ابن بركة، فهو الحجَّة حال الاختلاف، وفي هذا يقول: «الإجماع حجة لله، وحجج الله لا يلحقها الفساد، ولا يجوز عليها بعد ثبوتها الانقلاب»(3). كما أنه «لا حظَّ للنظر مع الإجماع»(4). وقد احتجَّ به ابن بركة في كثير من المسائل، كما اعتمد عليه في نقد الأقوال، وأقتصر هنا على ذكر مسألتين:
1. في مسألة خروج الدم أثناء الحمل: نقد رأي من اعتبرها حائضا تجري عليها أحكام الحيَّض، وذلك بإجماع الأمة على أن طلاق السنة يقع وقت الطهر، «والحامل لا تكون حائضًا طاهرًا مأمورا زوجها أن يطلقها للسُّنة في حال حملها، ممنوعًا من ذلك لأنها حائض غير طاهر … ، واعتمادنا على جواز الطلاق للسنة وهي حامل، مع إجماعهم أن طلاق السُّنة لا يكون إلا في حال طهر»(5).
2. وطء المستحاضة: رد ابن بركة مذهب القائلين بعدم جواز وطء المستحاضة أو كراهته باتِّفاق الأمة ودلالة نصوص الكتاب والسنة على أن الحيض هو المانع من الوطء، «والمستحاضة مخالفة للحائض، إذ هي طاهرة ومأمورة بالصلاة والصيام بدلالة السنة واتفاق الأمة»(6). وقال: «واتفقوا على أنها إذا كانت حائضا فمحرم وطؤها، فهذه طاهر بالإجماع، أو محكوم لها وعليها بحكم الطواهر المأمورات بالصلاة»(7) وقال: «وأجمعوا أنَّ المرأة مباحة الفرج لزوجها إلا في حال حيضها، والإجماع لا يزيله رأي، فالكاره لوطء المستحاضة محتاج إلى دليل»(8).
ثالثا: قواعد اللغة:
بما أن العربية هي لغة الوحي فتظلُّ الأداة الرئيسة في فهم خطاب الشارع، واستنباط الأحكام من النصوص. وقد كان الجانب اللغوي له حضور قوي في فقه ابن بركة، وكانت معانيها سندًا في الاستنباط والاستدلال، وحكمًا عند اختلاف الأقوال، ومن الأمثلة على ذلك:
* حقيقة الصعيد: رد ابن بركة على من أجاز التيمم بغير التراب، احتجاجا بأن الصعيد مأخوذ مما تصاعد على الأرض وعلاها بقوله: «هذا إغفال منك؛ إذ ليس اسم الصعيد مأخوذا من الصعود، ولو كان كل ما ارتفع من الأرض
(1) () … يقصد الآية: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الأنعام: 145.
(2) () … الجامع، 4/ 1630 - 1631.
(3) () … الجامع، 3/ 1390.
(4) () … الجامع، 1/ 503.
(5) () … الجامع، 3/ 1421. وينظر: 3/ 1388.
(6) () … الجامع، 3/ 1445.
(7) () … الجامع، 3/ 1402 - 1403.
(8) () … الجامع، 3/ 1403.