منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ١١، لكن اعترض عليه بأنَّ ذلك الحكم خاصٌّ به دون غيره؛ فأجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الأصل في النصوص العموم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد منكم كحكمي على جميعكم»(1)، فمن ادَّعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل(2).
* بقاء حكم العام بعد التخصيص: ردَّ ابن بركة على قول الحنفية بجواز نكاح إماء أهل الكتاب قياسا على المحصنات من أهل الكتاب بقوله: «إنَّ الله تبارك وتعالى حرَّم نكاح المشركات عاما بقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:221]، فدخل في هذا النهي كل مشركة، كتابية أو غير كتابية، أمة كانت أو حرَّة، ثم استثنى من جملة ما حرَّم المحصنات من أهل الكتاب، وهنَّ الحرائر، وبقي الباقي على التحريم»(3).
المبحث الثالث: مجالات النقد الفقهي عند ابن بركة:
يمكن حصر هذه المجالات في أربعة نواح: نقد الدليل- نقد التعليل - نقد الاستدلال - نقد الأقوال.
أولا: نقد الدليل: والمقصود به هنا نقد صحة الرواية وثبوتها سندا أو متنا.
وقد أولى ابن بركة جانب السنة اهتماما بالغا في كتابه الجامع، فأول باب صدَّر به الكتاب "باب الأخبار"، كما يرى أنها أهمُّ أسباب الاختلاف الواقع بين المذاهب. وهنا يصرِّح ابن بركة بقاعدة جليلة في منهج التعامل مع الروايات إذا ثبتت عند المخالف دون الموافق بقوله: «ولسننا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفرَّدوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها؛ لأنَّا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم نعلم بفساده أن يكون صحيحا … » وهذا إنصاف منه -رحمه الله- في الأخذ بمرويات غير الإباضية متى توفَّرت الشروط، ثم يضيف معللا قبول هذه الروايات، كما ينصُّ على قاعدة مهمَّة في العمل بالرواية بقوله: «والصحيح منها ما أيَّده العمل أو وقع عليه الإجماع»(4).
ونقتصر هنا على ذكر مثالين لنقد الحديث عنده:
1 - رد الحديث إذا خالف قطعيات القرآن: نقد ابن بركة حديث: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»(5) بقوله: «وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ»، فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا يوجب صحَّته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحَّتها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:164]، وقال جلَّ ذكره: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت:40]»(6).
(1) () … قال عنه السخاوي: «ليس له أصل كما قاله العراقي في تخريجه، وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه». (المقاصد الحسنة، ص 312). وفي معناه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث أميمة ابنة رقيقة: «إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ». سنن الترمذي، باب ما جاء في بيعة النساء، رقم:1597.
(2) () … الجامع، 3/ 1237.
(3) () … الجامع، 3/ 1246.
(4) () … الجامع، 2/ 899.
(5) () … صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم: 1304. صحيح مسلم، كتاب الجنائز، رقم:927.
(6) () … الجامع، 1/ 674.