منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ١٢وللعلماء تأويلات وتوجيهات لمعنى الحديث دفعا للتعارض مع كتاب الله(1) -كما ذكر ابن بركة. ومعلوم استدراك عائشة -رضي الله عنها- على رواية عمر وابنه عبد الله لهذا الحديث(2)، فصحَّحت لفظه وبيَّنت سبب وروده(3).
2 - رد ما يقدح في عدالة الصحابة: نقل ابن بركة عن أهل الحديث روايتين عن أبي بكر وابن عباس في مسألة الإمساك في الصيام؛ الأولى قول أبي بكر لغلامه وهو يتسحَّر: «أوثق علي الباب، لا يفجأنا الصبح»(4)، والأخرى ما روي عن ابن عباس أنه قال لغلاميه: اسقياني الماء، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، فقال: «اسقياني فإني أشرب إلى أن تصطلحا»(5)
ثم نقد هاتين الروايتين لما فيهما من قدح في سمعة الصحابيين الجليلين بقوله: «وحاشا لأبي بكر وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما وما يعلمان من اقتداء الناس بهما أن تكون فيهما شراهة الأنفس وقلة الصبر على فضل الأكل، أو شرب ماء … ، ومثل هذه الأحاديث تؤكد في نفوسنا تكذيبا لهم في مثلها، وما ينقلونه من الأخبار إلينا مما لا يعلم صحته، ولا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب صدقهم فيه»(6).
ثانيا: نقد التعليل:
والمقصود به نقد علة القياس، وهو ما يعرف في علم الأصول بقوادح العلة.
وإنَّ المطَّلع على كتاب الجامع ليجد في ثنايا أبوابه مباحث جليلة في بناء الفروع على أصل القياس، استدلالا أو اعتراضا، وهذا يعكس أهمية هذا الدليل لدى ابن بركة.
ونحاول إيراد بعض الشواهد على نقد ابن بركة لمسالك التعليل من خلال الأمثلة الآتية:
· التيمم لأجل صلاة الجنازة: رد ابن بركة قول بعض فقهاء المذهب بجواز التيمُّم لمن خاف فوت الجنازة ولم يجد الماء في الحضر، قياسا على من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة إذا كان يقدر على الماء بعد خروج الوقت.
وقد نقد ابن بركة هذا القياس ببيان الفارق بين صلاتي الجنازة والفريضة؛ حيث إن الأولى فرض على الكفاية، فمن حضر الجنازة متطهِّرا بالماء ففرض الصلاة لازم عليه، ويكون نفلا في حقِّ من كان محدثا، ومعلوم أن النفل لا يصحُّ بالتيمم في الحضر حال القدرة على الماء(7).
(1) () … ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 228.
(2) () … أخرج البخاري عن عائشة قالت: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم:1288.
(3) () … ينظر: الزركشي: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، ص 77، 102.
(4) () … أخرج عبد الرزاق أن أبا بكر كان يَقُولُ: «أَجِيفُوَا الْبَابَ لَا يُفْجُؤْنَا الصُّبْحُ». مصنف عبد الرزاق، باب تأخير السحور، رقم:7618.
(5) () … لم أجده بهذا اللفظ، وفي معناه أخرج عبد الرزاق عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اسْقِنِي يَا غُلَامُ قَالَ: أَصْبَحْتُ، فَقُلْتُ: كَلَّا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شَكٌّ لَعَمْرُ اللَّهِ اسْقِنِي فَشَرِبَ». باب الطعام والشارب مع الشك، رقم:7366.
(6) () … الجامع، 2/ 1095.
(7) () … الجامع، 1/ 412 - 413.