منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ١٣· حكم الصلاة في الأرض المغصوبة: نقد قياس القائلين بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة على إجازة بعض البيوع المنهيِّ عنها، وإثبات أحكامٍ بالوطء المحرَّم، للعلة الجامع بينها وهي النهي عن الشيء مع صحته وترتب آثاره عليه.
وقد بنى نقده على نقض هذه العلة(1) فقال: «فكان العلة الجامعة بينهما هو النهي، ومن شأنك أن العلة إذا لم تجر في معلولاتها بطلت، فيحتاج أن يجري النهي في كل شيء وتمضيه، فلما كانت ههنا أشياء منهي عنها لا نمضيها ونحكم بفسادها بطلت العلة لأنها إذا لم تجر في معلولاتها بطلت»(2). ثم استطرد الحديث في بيان العلة التي يبنى عليها القياس الصحيح؛ حيث ردَّ بطلان الصلاة في الأرض المغصوبة على بطلانها في الأرض النجسة، فقال: «من شبه المكان بالمكان والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى ممن رد الصلاة إلى البيع»(3).
· نقد علَّة منع استعمال آنية الذهب والفضة وهي التكبر والخيلاء: وهو تعليل بعض علماء المذهب، حيث قال: «وهذه علة تنكسر علينا، وذلك أنهم أجمعوا مع مخالفيهم أنَّ الشرب بقدح بلَّور تكون قيمته ألف درهم جائز، وامتنعوا من قدح فضة وقيمته عشرة دراهم، فلو كان طريقه طريق الخيلاء والتكبر وليَبِينُوا به من سائر الناس بأوانيهم لما جوزوا الشرب في قدح بلَّور يكون قيمته ألف درهم، والعلة موجودة والتحريم مرتفع، وبطل أن يكون النهي بهذه العلة»(4)، فيتجلى في هذا النص استعمال ابن بركة طريقة النقض للقدح في العلة بإثبات تخلُّف الحكم مع وجود العلة.
ثانيا: نقد الاستدلال:
يتوجه النقد في هذا المسلك إلى وجه الاستدلال بالنص، من خلال الاحتكام إلى قواعد اللغة لأنها الأساس في الفهم والاستنباط، ومدى موافقة ذلك لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية.
وقد أشرنا سابقا إلى مدى اهتمام ابن بركة بالجانب اللغوي في فقه النصوص، استنباطا وترجيحا ونقدا، وهو ما مكَّنه من مناقشة آراء العلماء ونقض استدلالاتهم، والمادة في ذلك غزيرة، والشواهد كثيرة، نختار منها مسائل يسيرة:
· هل تخرج وصية الميت بالحج من التركة أو من الثلث؟ ذهب بعض فقهاء الإباضية إلى أنها تخرج من التركة، استدلالا بحديث الخثعمية المشهور، فقالوا: «قد شبَّه [الرسول - صلى الله عليه وسلم -] الحجَّ بالدَّين، فلما كان الدَّين من رأس المال كان الحجُّ مثله»(5).
لكن ابن بركة ردَّ على هذا الاستدلال بقوله: «وإنما شبَّهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدَّين، فإنَّ المرأة سألته عن الأداء، فشبَّه ذلك بأداء الدين إذا قضته عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدَّين عنه إذا قضته، ولم تسله عن الوجوب فيرد الجواب عنه»(6). وفي هذا تأمل عميق، وإشارة إلى معنى دقيق في نصِّ الحديث.
(1) () … الجامع، 2/ 866. وينظر: 2/ 769 - 770.
(2) () … الجامع، 2/ 867.
(3) () … الجامع، 2/ 869.
(4) () … الجامع، 3/ 1575.
(5) () … الجامع، 1/ 249.
(6) () … الجامع، 1/ 251.