منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ٤

كما أنَّ من أهم غايات الوحي المنزَّل تصحيح الأفكار والتصورات، ونقد العادات والسلوكيات، كل ذلك نجده في نصوص القرآن بأسلوب حواري عقلي. وفي قصص الأنبياء أيضا ومحاوراتهم مع أقوامهم إرشادٌ إلى منهج النقد وأساليبه القويمة.

والقرآن الكريم يدعو المسلم إلى اتِّباع الأحسن، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:18]، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر:55]. ولا بدَّ للوصول إلى الأحسن من عملية التقييم للتمييز بينه وبين ما دونه.

ولم يخل القرآن أيضا من توجيه النقد لعباده المؤمنين وتنبيههم إلى أخطائهم، إرشادا منه تعالى لأحسن الخِلال وأقوم الأعمال. على أنَّ أجلَّ مستويات النقد نجدها في عتاب الله تعالى لنبيِّه الكريم.

2 - السنة النبوية:

وعلى هدى القرآن الكريم، نجد في السُّنة المطهَّرة الكثير من النصوص والمواقف التي تؤصِّل لمنهجية النقد وتقرِّر آدابه، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما شكا إليه أحدهم إطالة إمامه في الصلاة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ»(1).

وقد عاش النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه معلِّما ومربِّيًا، فيصحِّح سلوكهم إذا باينوا الصواب، ويرشدهم لأحسن الآداب، منهجه في ذلك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، دون تجريح ولا تشهير.

3 - عمل الصحابة:

ثم سار الصحابة على هذا النهج، وقد تشرَّبت نفوسهم مبادئ القرآن، وارتووا من معين السنة، ليخلِّد لنا التاريخ من أرقى مشاهد النقد في المجتمع البشري. وما أكثر المواقف التي تجلِّي لنا انتقاد الصحابة لبعضهم بعضا، في رحابة صدر، وقبول للحق وإذعان له، دون أن يكون في ذلك أدنى غضاضة لأحد منهم، كما قال سيدنا أبو بكر لما ولي الخلافة: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي»(2).

أما في باب الاجتهاد والرواية فقد أثر عنهم مواقف عديدة تبيِّن مدى حرية الرأي وحركية النقد في مجتمع الصحابة، ولعلَّ من أشهر ما نقل عنهم استدراكات السيِّدة عائشة - رضي الله عنه - ا على رجال الصحابة(3).

4 - النقد عند الفقهاء ممارسة وتنظيرا:

بما أن النقد عملية تهدف أساسا إلى تصويب الأفكار، وتمييز صحيح الأقوال من ضعيفها؛ فقد كان ميدان الفقه رحبا لممارسة النقد على مختلف مستوياته منذ عهد مبكر من تاريخ نشأته؛ ذلك أن المجتهدَ مكلَّف باستفراغ وسعه في درك الصواب وتطلُّب الحقيقة، إلا أن ذلك لا يمنع ذلك وقوعه في الخطإ، إذ لا عصمة لغير الرسل، وكلٌّ يوزن رأيه بميزان النقد ويستدرك عليه، وقد تواتر القول بأنه: كلٌّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلاَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد كان لتباين مناهج الاجتهاد ونشوء المدارس الفقهية أثرا في نشاط حركة النقد في فروع الفقه وأصوله؛ حيث حفظ لنا التراث الإسلامي مناظراتٍ علميةً ومحاوراتٍ قيِّمةً بين الأئمة الأعلام، مثل: مراسلات الإمام الليث مع الإمام مالك في

(1) () … رواه البخاري، كتاب الأذان، رقم:704.

(2) () … ابن هشام: السيرة النبوية، 2/ 661.

(3) () … وقد جمعها بدر الدين الزركشي في كتاب عنوانه: «الإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة».