منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ٥

حجيَّة عمل أهل المدينة، وكتاب: «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف، كما ضمَّن الشافعي في كتابيه الأم والرسالة رسائل نقدية قيِّمة(1).

ثمَّ تطوَّرت عملية النقد لتولِّد علوما مستقلة بموضوعاتها ومصنفاتها، تحت مسمى: علم الخلاف، وعلم الجدل وعلم المناظرة، مما يدل على أهمية صنعة النقد في الفكر الإسلامي عموما وفي علم الفقه على وجه الخصوص. قال ابن عبد البر: «وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى ردِّ الفروع على الأصول»(2).

المبحث الثاني: أدوات النقد الفقهي عند ابن بركة:

من الضروري أن تكون عملية النقد وفق معايير وموازين علمية يحتكم إليها في ذلك العلم، وتتمثل معايير النقد الفقهي في القواعد التي يقوم عليها علم الفقه. وقد وظف ابن بركة في منهجه النقدي قواعد متعددة المشارب؛ عقلية ولغوية وشرعية، مما يدل على ثرائه المعرفي وكذا تمكُّنه من علوم الاجتهاد.

أولا: قواعد العقل:

إنَّ الله تعالى ركَّب في عقل الإنسان قواعد وبديهيات مسلَّم بها لدى جميع العقلاء، لذا تعدُّ هذه القواعد من أهمِّ المعايير التي يحتكم إليها الفقهاء عند الاختلاف. وقد وظَّفها ابن بركة في تمحيصه لأقوال الفقهاء وترجيحه لأصوبها، ونذكر فيما يأتي بعضا منها:

* لا تجتمع طاعة ومعصية من فاعل واحد في آن واحد: وظف ابن بركة هذه القاعدة في نقض القول بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ونحو ذلك وهو مذهب الجمهور، بينما ذهب الحنابلة وبعض الإباضية إلى القول بالفساد(3)، وهو الذي انتصر له ابن بركة. وقد نقد الرأي المخالف بعدة أدلة، منها: المعقول، حيث يقول: «وإذا كان الأمر على ما ذكرنا(4) فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهيٌّ عنها في حال واحدة. ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهيٌّ عن جميع ذلك في هذا المكان ويستحقُّ العقاب عليه، والصلاة التي أُمِر بها هي التي تكسبه الثواب، ويكون بها طائعا بفعل واحد. والفعل الواحد من فاعل واحد في وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية»(5).

* استحالة اجتماع حكم الحيض والاستحاضة في حال معًا: اختلف الفقهاء ومنهم الإباضية في حكم وطء المستحاضة(6)، والرأي المختار عند ابن بركة هو الجواز مطلقا، واعترض على مذهب القائلين بالكراهة أو الحرمة من جهة المنقول والمعقول، فمن المعقول قوله: «والدَّم الذي بوجوده سقوط الصلاة غير الدَّم الذي بوجوده وجوب الصلاة، وإذا ثبت أنَّ كلَّ واحد منهما غير صاحبه وجب أن يكون حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر»(7).

فابن بركة بنى اعتراضه على أمر متَّفق عليه وهو أنَّ دم الحيض يفترق عن دم الاستحاضة طبيعة، وهذا يلزم منه التغاير في الأحكام. ويؤيِّد اعتراضه في موضع آخر بقوله: «ولو كان الحيض والاستحاضة اسما لظهور الدم لا معنى

(1) () … انظر: نوار: العقل الفقهي، ص 24 وما بعدها. حسان الشهيد: نظرية النقد الأصولي، ص 88 وما بعدها.

(2) () … جامع بيان العلم، 2/ 929.

(3) () … ينظر: السالمي: معارج الآمال،3/ 130. الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 2/ 157.

(4) () … يعني أن الصلاة في هذه الحالة اجتمع فيها خطابان: أمر ونهي.

(5) () … الجامع، 2/ 865. وينظر: 2/ 769 - 770.

(6) () … ينظر: ابن المنذر: الأوسط، 2/ 216. السالمي: معارج الآمال، 2/ 117.

(7) () … الجامع، 3/ 1402.