منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ٦لحائض في أحد الدمين، لوجب أن تكون المستحاضة حائضا، والحائض مستحاضة في حال واحدة، ولو أن تكون المرأة في حال ظهور الدم مأمورة بالصلاة لأنها مستحاضة، منهية عنها لأنها حائض في حال واحدة؛ فهذا عين المحال»(1).
* اجتماع الأضداد محال: اختلف علماء الإباضية في المرأة التي تلد ولدا ويبقى في بطنها غيره، هل تعطى حكم النفساء؟(2).
ذهب ابن بركة إلى القول إنها لا تعتبر نفساء حتى تضع آخر ما في بطنها؛ لأنَّ اسم النفاس يتحقَّق بوضع جميع الحمل. واعترضَ على الرأي المخالف من جهة المعقول مستخدما أسلوب المناظرة بقوله: «وفي اتِّفاق الجميع أنَّ الحمل معنى والنفاس ضدُّه ما يدلُّ على أنَّ الحمل والنفاس لا يجتمعان في حال واحدة. وفي حال اجتماعهما في حال واحدة وجوب كون الشيء وضدِّه في حال، ومحال اجتماع الأضداد في حال.
فإن قال قائل: قد وضعَتْ بعض حملها وقد تغيَّر الاسم. قيل له: ليست تخلو إذا وضعت بعض ما في بطنها من أن تكون حاملا أو غير حامل؛ فإن كانت غير حامل فهذا عين المحال، وإن كانت حاملا فغير جائز أن تكون حاملا قد وضعت حملها، وفي هذا بيان ما قلنا، وغلط من ذهب إلى خلافه»(3).
ثانيا: قواعد الشرع وأدلته:
نصوص الشريعة وقواعدها من أهمِّ المعايير التي تضبط طرائق الاستدلال، وتوزن بها الأقوال، فيتمكَّن من خلالها تمييز الصحيح من السقيم، والحق من الباطل، والأصل في هذا قوله سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].
وقد قدر تمكُّن الفقيه من علوم الاجتهاد، وإحاطته بنصوص الشريعة وتبصُّره بقواعدها تكون مقدرته على مناقشة الأدلة ونقد الآراء والترجيح بينها. وقد برز ابن بركة في هذا المجال، وأعرب عن قوة في الرد والاحتجاج وحرية في الاجتهاد، ويتجلَّى هذا الآتي:
أ- القواعد العامة:
* لا تكليف بالمحال: ذهب ابن بركة إلى أنَّ المرأة مكلَّفة شرعا بمعرفة دمائها والتمييز بينها، مع الاجتهاد في طلب ذلك، إذ لا تعذر بجهلها. وقد فرضَ أنَّ معترضا يقول: إن الواقع على خلاف مذهبك، فإنَّ أغلب النساء لا يعرفن ذلك، ولا يفرِّقن بين دم الحيض وبين غيره، لأن الأمر عسير عليهن، لكثرة الاشتباه(4).
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ هذا الأمر مما يسع المكلَّف علمه؛ «لأنَّ الله تعالى حكيم ليس في صفته أن يلزم عباده فعلا ويأمرهم به، ولا ينصب لهم عليه دليلا … ، ولابدَّ من نصب علَمٍ يفرَّق به بين دم الحيض من دم الاستحاضة، ليتوصَّل المتعبِّد إلى امتثال ما أُمِر به، ولو لم ينصب للمتعبِّد علَما على دم الحيض وعلى دم الاستحاضة كان التكليف عنه زائلا، إذ لا سبيل له إلى امتثال ما أُمِر به»(5).
(1) () … الجامع، 3/ 1380. وينظر: 3/ 1444.
(2) () … ينظر: السالمي: معارج الآمال، 2/ 128.
(3) () … الجامع، 3/ 1412 - 1413.
(4) () … الجامع، 3/ 1392، 1419.
(5) () … الجامع، 3/ 1420. وينظر: 3/ 1393.