منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ٧فيلاحظ هنا أن ابن بركة ينوِّه بقاعدة مهمة في التكاليف الشرعية، مفادها أنَّ الله تعالى لم يتعبَّد عباده بالجهل، ولم يكلفهم بالمحال؛ فقد نصب على التكاليف أماراتٍ بيِّنة وعلاماتٍ واضحة، يتمكَّن بها المكلَّف من العلم بالمطلوب وتحقيق المقصود، وإلا كان تكليفا بالمحال، تعالى عن ذلك الكبير المتعال.
* الطهارة والنجاسة حقيقتان شرعيتان: في معرض مناقشته لمسألة الحكم على المياه بالطهورية أو النجاسة، ينصُّ ابن بركة على أنَّ الطهارة والنجاسة أحكام تعبُّدية مصدرها الشرع، «وليس للعقول مجال عند ورود الشرع؛ لأنَّ المطهِّر للماء هو المنجِّس له على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، إذ الطاهر والنجس اسمان شرعيَّان، فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع به»(1).
كما يؤكِّد في ذات المسألة، أنَّ تحديد مقدار الماء والنجاسة قلَّة وكثرة إنما هو من وضع الشارع، والعقل له تابع؛ ذلك أن «الحدود لله تعالى، وليس لأحد من الأمَّة أن يضع حدًّا يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلاَّ أن يتولَّى وضع ذلك الحدِّ كتاب ناطق، أو سُنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -»(2).
* لا تردُّد في النيات: بمعنى لابدَّ في النية أن تكون مستندة إلى علم جازم أو ظن راجح(3).
ففي مسألة صوم يوم الشكِّ اختلف العلماء في حكم صومه، ورجَّح ابن بركة عدم الجواز مطلقا، ونقد الرأي المخالف من عدَّة أوجه من المعقول والمنقول.
ومما بنى عليه نقده أنَّ الصائم يعتري عمله الشكُّ، لأنه غير جازم في نيَّته، فهو متردِّد بين صوم الفرض وصوم التطوُّع(4)، ومن القواعد الشرعية أنَّ العبادة تبنى على اليقين، ولا يصحُّ الدخول فيها بشكٍّ ولا وهم. ونقل ابن بركة عن شيخه أبي مالك قوله: «صوم ذلك اليوم لا يجزئ عمن صامه، ولو جاء الخبر بصحَّة دخول رمضان في صدر النهار أو في آخره، إذا كان إنما عقد صومه على غير يقين في الابتداء»(5).
ب- الأدلة النصية:
وهذه الأدلة من أهم معايير النقد لدى ابن بركة. وقد تقدَّم القول بأن الأدلة النصِّية ويلحق بها الإجماع هي المرجع عند الاختلاف، والحكَم عند التنازع، فمتى تبيَّن مخالفة قول لنصٍّ قطعي أو إجماع صريح سقط عن الاعتبار.
1 - القرآن:
إن القرآن هو أصل الأصول، وإليه ترجع كافَّة الأدلة المنقول منها والمعقول. ويؤسِّس ابن بركة لمرجعية القرآن عند تعارض الروايات بقوله: «وإذا تكافأت الأخبار، ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدم منها من المتأخر وجب إيقافها، وكان المرجوع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها»(6). ولا يفوت ابن بركة الاعتراض على أي رأي متى كان مخالفا لمحكمات الكتاب.
(1) () … الجامع،1/ 440.
(2) () … الجامع،1/ 439.
(3) () … ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 1/ 218. السدلان: القواعد الفقهية الكبرى، ص 62.
(4) () … الجامع، 2/ 1086 - 1087.
(5) () … الجامع، 2/ 1087.
(6) () … الجامع، 1/ 505.