منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ٨

* ففي مسألة مصافحة أهل الذمة: ينقل ابن بركة إجماع علماء الإباضية على «المنع من المصافحة أهل الذمة، وأن يعادوا إذا مرضوا، وأن يكنوا إذا خوطبوا، وأن يبدؤوا بالسلام إذا لُقوا». إلا أنه انتقد هذا الرأي -ولو كان متَّفقا عليه في المذهب- بقوله: «والنظر لا يوجب عندي ذلك إلا من قصد إلى تعظيمهم والإجلال لهم بذلك، ألا ترى إلى قول الله جل ذكره: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].»(1).

فكان معتمده صريح الكتاب في تضعيف هذا القول، وترجيح خلافه الذي هو الأوفق للنصوص، والأقرب لروح الإسلام ومقاصده في التعامل مع بني البشر؛ إذ إن اختلاف الأديان لا يكون سببا للامتهان لذات الإنسان.

2 - الحديث:

تأتي السنة عند ابن بركة في المرتبة الثانية من مصادر التشريع، وكتابه "الجامع" غزير المادة بالأحاديث التي هي مدار الاحتجاج عند الفقهاء، وقد تميَّز في توظيفها استدلالا ونقدا، فوضع القواعد، وبيَّن الأسس، وغدا نتاجه مادة ثرية لمعرفة منهج الإباضية في التعامل مع السنة النبوية(2).

ومن أقواله التي تبين أهمية دليل السنة عنده: «وإذا ثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس إلاَّ اتِّباعه»(3)، «والواجب إذا ورد خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستعمل ظاهره ويجرى على عمومه، ولا يخصَّ إلا بحجَّة من كتاب أو سنة أو إجماع»(4).

ومتى تبين لديه مخالفة قول العالم -مهما كان مذهبه- لسنة ثابتة صحيحة كان مردودا وساقط الاعتبار، وفيما يلي بعض النماذج:

1. مسألة المرور بين يدي المصلي: ردَّ ابن بركة على من اعتبر أن الصلاة لا يقطعها شيء وليست كالحبل الممدود، بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا»(5)، قال ابن بركة: «وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك دليل على أن الصلاة تفسد ببعض ما يمر بين يدي المصلِّي؛ لأنَّ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو من فائدة»(6).

2. وفي مسألة الصوم والإفطار في السفر: رد على القائلين بوجوب الإفطار في السفر بقوله: «ثمَّ المرجوع إلى السنة القاضية بين المختلفين، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم في السفر ويفطر فيه، وكان أصحابه يفعلون ذلك معه وبعده، جاءت الروايات الصحيحة بذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبيِّن لأمَّته بقوله وفعله»(7).

3. أما في مسألة اقتناء الكلاب وأكل لحومها: فقد نقد ابن بركة رأي الإمام أبي عبيدة مسلم في جواز أكل الكلاب واقتنائها بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الدالة على الكراهة أو الحرمة، فقال: «والخبر إذا نقله عدل عن مثله

(1) () … الجامع، 1/ 338.

(2) () … ينظر: المسعودي: ابن بركة ودوره الفقهي، ص 87.

(3) () … الجامع، 1/ 536.

(4) () … الجامع، 4/ 1924.

(5) () … سنن أبي داود، كتاب الصلاة، رقم:689. البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، رقم:3467.

(6) () … الجامع، 2/ 788 - 789.

(7) () … الجامع، 2/ 1065.