الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي خضير بن بكير باباواعمر

Alsaidia_420_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

مجمل القول

إن المدارس الكلامية قد تباينت مواقفها في الوعد والوعيد، فبالغت الأشعرية في العفو وجوزت على الله عقلا أن يعذب المطيع، ويعفو عن العاصي إطلاقا للمشيئة الإلهية وأن الله فعّال لما يريد)، ومن جهة أخرى تطرفت المعتزلة فأوجبت على الله تعالى عقلا أن يثيب الأخيار، ويعاقب الأشرار، ووعده ووعيده استحقاق للمكلفين وأعواض لغيرهم. (2)

وبين هذين الموقفين المتعارضين تماما يتخذ الجيطالي مسلكا وسطا فيؤكد ابتداء أن ثواب الله تعالى لا يشبهه ثواب وعقابه لا يشبهه عقاب، وهذا ما يستدعيه التوحيد الخالص، وأن ثوابه للأبرار فضل وعقابه للفجار عدل، وهو تعالى صادق في وعده ووعيده، فلا يجب عليه شيء بل الحكمة الإلهية تقتضي يثيب المطيع، ويعاقب الكافر.

أن

وإن الأدلة التي ساقها الجيطالي في إثبات الخلود لفاعل الكبيرة قوية الحجة، ساطعة الدلالة إن قارناها بحجج القائلين بخلف الوعيد. كما لا يخفى أن المسألة الوعد والوعيد" بعدا عمليا جليا في سلوك الأفراد والمجتمعات، فلو أخذت الأمة بصدق وعيد الله تعالى وإنفاذه في مرتكب الكبيرة لبادرت إلى إتيان الواجبات وترك المنهيات وتابت إلى ربّها متابا ولو تمسكت بظواهر النصوص التي تفيد خلف الوعيد لصارت الزواجر كضرب في بارد الحديد، وبطلت التكاليف الشرعية، وضاعت الأمانة التي حملها الإنسان.

وقد يتبادر إلى بعض الأفهام أن القول بإنفاذ الوعيد غلو في المعتقد، وتطرّف في الدين، وتيئيس من رحمة الله تعالى، فدفعا لهذا الإيهام الوارد أولى الجيطالي والإباضية عامة لقضية الخوف والرجاء اعتناء بالغا، وجعلوها أصلا عقديا يجب الإيمان به.

1 - أبو عذبة الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية تحقيق د/ عبد الرحمن عميرة: 53 - 54. 2 - د/ أحمد محمود صبحي في علم الكلام (المعتزلة):. ج 157/ 1 - 158.

-387 -