Alsaidia_420_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٦وقد امتاز القرن الثامن الهجري بإنشاء المدارس والمعاهد العلمية على نمط هندسي بديع واختيار علماء أكفاء للتدريس فيها، ويبين ابن مرزوق (ت 781 هـ/1371 م) في مسنده "أن إنشاء المدارس كان في المغرب غير معروف حتى أنشأ مولانا المجاهد الملك العابد أبو الحسن المريني (ت 752 هـ/1351 م) مدرسة الحلفائيين بفاس .... ثم أنشأ الله في كل بلد من بلاد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط مدرسة". (1)
وهكذا عمل الأمراء على نشر العلم في شعوبكم خدمة للدين، أو إذاعة لنفوذهم فتيسرت سبل التحصيل لطالب العلم. ورغم ما قامت به هذه المدارس من دور عظيم في إنارة الشعوب والقبائل المغربية إلا أن التقليد والتعصب المذهبي كانا سمة العصر البارزة، ولم يكن للتفكير المستقل القائم على النظر المجرد حظ، فانتشر الجدل العنيف بين أتباع المذاهب الكلامية والفقهية الذي تناقلته الكتب والمدونات فصارت عمدة التدريس في هذه المدارس العلمية.
وقد نعى ابن خلدون (732 - 808 هـ / 1332 - 1406 م) ظاهرة التقليد في عهده فيقول: "لا محصول اليوم للفقه غير هذا (أي التقليد) ومدعي الاجتهاد لهذا العهد (ق 8 هـ / 14 م) مردود على عقبه مهجور تقليده". (2)
وعرف المذهب المالكي في هذا العصر خدمة جليلة، وانتشارا واسعا بعد أن قضى عليه الموجدون (3) إلا أنه بقي غضا حسب تعبير ابن خلدون، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب لكون أهل المغرب بادية غفلا من الصنائع إلا في الأقل. (4)
1 - محمد بن مرزوق التلمساني: المسند الصحيح: 405 - 406.
2 - ابن خلدون: المقدمة: 496.
3 ابن خلدون: العبر: ج 466/ 6. اندري جوليان تاريخ إفريقيا الشمالية، ج 197/ 2 - 245. الجيلالي:
تاريخ الجزائر العام: ج 113/ 2.
-4 ابن خلدون: المقدمة: 498، 506. وهذا الرأي قابل للنقد لأن سبب التقليد لا يرجع إلى البداوة
-46 -