Alsaidia_81_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٩11 ـ أبو مسلم البهلاني الرواحي
179
على أن الشيخ أبا مسلم تعمق في التوجه السلوكي (التصوفي) وتوغل فيه إلى حد المبالغة أحياناً، وسخر له موهبته الفذة وقدراته الإبداعية الهائلة، ووظفها لإبراز مكنونات هذا التوجه السلوكي شعراً أو نثراً بما لم يسبقه إليه فيه سابق، ولعله لم يلحقه لاحق فألف فيه الرسائل الجامعة، ونظم فيه القصائد المطولة الرائعة، على أنه لابد من القول بأن هذا التوجه قد خفت حدته وقل شأنه بظهور المدرسة السالمية (1) بقيادة وريادة الإمام نور الدين السالمي الذي استطاع بما أوتي من نبوغ فائق وملكة علمية وفكرية أن يؤسس مدرسة فكرية أخرى لها ملامحها ومعالمها، تلك الملامح والمعالم القائمة على الكتاب والسنة نصاً وظاهراً والرجوع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والأسلاف والأوائل، فقد قال: «ثم إن الطلسمات حتى أن بعضهم جعلها نوعاً من السحر، ولا أقول فيها شيئاً لكثرة استعمال متأخري أصحابنا لها فلو لم يظهر لهم جوازها ما فعلوها غير أني أقول إنها مبتدعة قطعاً، لأن السيرة النبوية والطريقة الصحابية خالية منها، وكذلك من بعدهم التابعين بإحسان والله أعلم بحالها، ولعل أصلها أخذ من اليهود فإنهم معروفون بذلك في سالف الزمان، وقد أغنانا الله عن علومهم بالعلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه ولعل رجلاً يسمع هذا فيقول:
كالثعلب النازي إلى عنقوده إن لم ينله قال هذا حامض
فلا والله ما عدلت عنه لذلك مع أني معترف بجهلي، لكن رغبة عنه وعدولاً إلى السيرة المطهرة على أن نفعه دنيوي قطعاً ويكفيك منه ذلك
فاستدل بفرعه عن أصله (2)».
(1) وليس معنى هذا أن هناك فرقاً جوهرياً بين المدرستين البونبهانية والسالمية، وإنما هو بعض التوجهات، وكلتاهما تستمد مفهومها من الكتاب والسنة.
(2) السالمي) العقد الثمين، ج 1، ص 50.