الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٤374
مجمل القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
لو دققنا النظر في الفروع الفقهية، وتقضينا الأحكام الشرعية لأيقنا أن كثيراً منها يقوم على هذه القاعدة وجلُّ ما ذكرنا هنا من الأدلة إنما هو غيض من فيض ولا ندَّعِي استقصاءها، لأن ذلك متعذر.
وبهذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية لم تغض الطرف عن العادة الجارية في الناس، ولم تصرف نظرها عن الأعراف السائدة في المجتمعات، كيف وقد كان العرف دستور العرب - قبل الإسلام - في شؤونهم الاجتماعية، وقانونهم في معاملاتهم وتصرفاتهم بأوسع معانيها في كل ما يتصل بالحياة من مبادلات مالية، وارتباطات عائلية، وغير ذلك من الأمور التي لا غنى عنها لأية أمة؛ هذه المجموعة من العادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات، فلما جاء الإسلام وبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة لم يعمد إلى هدم تلك العادات والأعراف كلها ولا إلى إقرارها كلها، بل ميز بين النافع والضار، والصحيح والفاسد، والناقص والكامل منها، والحسن والقبيح، والصالح والطالح، مراعياً في كل ذلك تحقيق مقاصد الشريعة في أحكامه من جلب المصلحة للناس، ودفع المضرة عنهم، ورفع المشقة والحرج عنهم فيما يكلفهم به من عادات ومعاملات، وفيما يشرع لهم من أحكام.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن جمهور الفقهاء نظروا إلى هذه المقاصد وجسدوها في اجتهاداتهم، واحتكموا في كثير من أحكامهم إلى الأعراف والعادات إذا أعوزتهم النصوص الشرعية، فجاءت أحكامهم مخففة تستجيب لحاجات الناس وتطلعاتهم.
(1) النجار السيد صالح عوض: أثر العرف في التشريع الإسلامي، ص 44. عمر عبد الله: العرف
وأثره في الفقه الإسلامي، 18 - 20.