القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٧٦

المطلب الأول

تحكيم العرف والعادة في العبادات

أولا في الطهارات

1 - الماء الطهور:

اختلف الفقهاء في حكم الماء الطاهر والطهور، أيهما يصلح للطهارة وإزالة النجاسات؟ فذهب الجمهور من الإباضية وغيرهم إلى أن الماء الطهور المتعارف عليه هو الذي يستعمل للطهارة وإزالة النجاسات؛ لأن الله تعالى قال شأنه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (الفرقان: 48).

في

والطهور في لغة العرب هو الفعول للطهارة، وهو الذي تعرف منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم؛ لأن الإنسان إذا غرف من عادته في غذائه المتعارف، ومن شربه المتعارف، لم يسم أكولاً ولا شروباً، وإنما يسمى أكولاً إذا أكثر الأكل، ومنه سمي شروباً إذا أكثر شربه، فظاهر الآية يوجب أن الماء الذي سماه الله طهوراً إذا لاقى شيئاً من النجاسات طهرها بتسمية

إياها ماء طهوراً، فالواجب إجراء العموم على ظاهره، وإلا ما قام عليه دليله). وذكر ابن بركة وجها آخر وحكى فيه الإجماع، فقال: «أجمع المسلمون جميعاً أن الماء قد يُحكم له بحكم الطهارة وإن دخلته النجاسة، ما لم يتغيَّر له لون ولا طعم ولا رائحة وإنما اختلفوا في الحدود والنهايات، والحدود الله تعالى، وليس لأحد من الأمة أن حداً يضع يوجب بوضعه في الشريعة حكماً، إلا أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب ناطق، أو السُّنَّة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد (2).

(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 292/ 1 - 293. (2) ابن بركة: المرجع نفسه، 292/ 1 - 294.