الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٧الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
377
ويستنتج من عبارة ابن بركة أنه لا يجوز وضع مُعين لطهارة الماء ما لم تتغير حالته، فإذا تغيرت حكمنا بنجاسته، والشارع الحكيم هو الذي يملك حق تحديد حالة الماء من طهارة أو نجاسة، وقد وضع مقاييس ثابتة لذلك وهي الطعم واللون والرائحة، ويثبت ذلك إما بدليل من القرآن أو
السنة أو الإجماع. واختلف الفقهاء في حكم الماء إذا كان أقل من القلتين وخالطته النجاسة، ولو لم يتغير شكله وأوصافه، فالجمهور ذهب إلى نجاسته استناد إلى النصوص والعادة الجارية في الناس.
وذهب بعضهم إلى عدم نجاسته استناداً إلى الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء أقل من قُلَّتين لم يتنجس … ).
وقد أشار ابن بركة إلى هذه المسألة وذكر فيها خلاف الفقهاء فقال: «ثم اختلفوا في الماء القليل الطاهر إذا دخلته النجاسة، فلم تغير له لونا ولا طعماً ولا ريحاً، فقال بعضهم: حكم الماء نجس مع ارتفاع علامات النجاسات وقال آخرون: الماء طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارة النجاسة، والقرآن قد أورد أن الماء طهوراً، فهذا الطاهر يوجب أن يكون البول قد طهر بغلبة الماء
(1) لم نقف على هذا اللفظ، وروى ابن خزيمة في صحيحه ما يفيد معناه، كتاب الوضوء، جماع أبواب ذكر الماء الذي لا ينجس، باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه «وفيه ما دل على أن لا نجاسة في الأحياء، وإن كان لا يجوز أكل لحمه، إلا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم الكلب، وكل ما يقع عليه اسم الكلب من السباع إذ الذباب لا يؤكل، وهو من الخبائث التي أعلم الله أن نبيه المصطفى يحرمها في قوله: «ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وقد أعلم أن سقوط الذباب في الإناء لا ينجس ما في الإناء من الطعام والشراب لأمره بغمس الذباب في الإناء إذا سقط فيه، وإن كان الماء أقل من قلتين». وروى أبو عوانة في المستخرج مبتدأ كتاب الطهارة، بيان تطهير الأرض التي يصلي عليها إذا أصابها البول، والدليل على أن النجاسة إذا خالطها الماء، والماء أقل من قلتين فلم يغير طعمه ولا ريحه كان طاهراً».