القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية مصطفى بن حمو بن باحمد أرشوم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٥

الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة

215

ويطلب في النواهي مشاق مشددة بخلاف ما يطلب من الأوامر؛ وذلك لأن اهتمام الشارع بالنواهي أشد اهتمامه بالأوامر لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فالنواهي يبتعد عنها بإطلاق، والأوامر تفعل بقدر الحاجة والطاقة البشرية. - أنه يراعى في المقاصد أكثر ما يراعى في الوسائل، فينظر إلى الفعل المطلوب من المكلف، هل هو مقصود في ذاته كالصلاة، أو هو وسيلة إلى غيره كالوضوء من أجل الصلاة، فالمقصود في ذاته يتطلب وجود مشاق أخف، ولهذا قرر السيوطي القاعدة الفقهية «يغفر في الوسائل ما لا يغفر في

المقاصد» (2).

وقد حاول بعض العلماء وضع مقياس يساعد في تحديد هذه الدرجة وتقوم على أساسه، وهو قناعة الإنسان المكلف ذاته، فما دنا من النوع الأول أوجب التخفيف، فإن رأى حرجاً واطمأن لذلك قلبه ألحقها بما هو موجب للتخفيف والترخيص، وما دنا من النوع الثاني فيجعلها بالدرجة الثانية، حيث لا يترتب عليها تسهيل وتخفيف. قال العز بن عبد السلام: «الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد منها ثبتت الرخصة بها، ولن يعلم التماثل إلا بالزيادة؛ إذ ليس في قدرة البشر

(1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديث: 6879، 8/ 142. وفي مسلم ـ كتاب الفضائل باب توقيره صلى الله عليه وسلم - حديث: 4452. وفي ابن حبان ـ ذكر البيان بأن النواهي سبيلها الحتم حديث: 20. عن أبي هريرة. وأخرجه الربيع في المسند، كتاب الحج، باب في فرض الحج، رقم 394. عن أنس بن مالك، 2/ 105 – 106.

مع

اختلاف في اللفظ.

(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 158.