Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ١١٩أقامت الحجة بين الناس وبين ربهم وبذلت النفس والنفيس في نيل رضى الله والجهاد
في سبيله
ويرجع السبب الأول فى عدم نجاحهم في الحواضر ـ وإن كانوا قد نجحوا في أطراف الدولة الإسلامية خلال الدولة العباسية - إلى أنهم ليسوا من قريش ولا من أهل البيت الحاكم فمن الطبيعي أن لا يؤيدهم السواد الأعظم من الأمة. إذ لا يقرع الحديد إلا الحديد، وذلك لاعتقاد عامة الناس أنهم أولى وأحق بالخلافة في الأرض، فلذلك تميل إليهم النفوس وتهوى إليهم الأفئدة
ولكن جزءا كبيرا من المؤمنين الصادقين كانوا لا يبالون بمثل هذه الدعوات التي بدأها بنو أمية بوضع الأحاديث على يد المتقربين إليهم (1)
فهذا أبو حنيفة ومالك يناصران محمد بن عبد الله بن الحسن (145 هـ)، الذي يقال له النفس الزكية ضد المنصور. وهذا مالك بن أنس أيضا يفتى أهل المدينة بجواز الخروج من بيعة المنصور والقيام مع محمد أيضا لأنه ليس على مكره يمين، وذلك
كله ابتغاء ما عند الله
وقد فطن أولو البصيرة من أهل العلم والإيمان من صحابة وتابعين منذ عهد الخليفة الثالث عثمان، إلى حيل بني أمية وعصبيتهم فاستولوا على أمور عثمان وغلبوه على أمره فاجتهدوا في هذه المسألة، كما اجتهدوا أيضا في قضية التحكيم فخرجوا من اجتهادهم برفض التحكيم من أوله إذ ليس له أن يخلع خليفة المسلمين من غير إنكار عليه وأن يقلدها شخصا آخر عن. غير رأى المسلمين (2)
(1) ذكر السيوطي أن حديث استخلاف بني أمية حديث غريب ومنكر نقلاً عن الترمذى وعن الحافظ أبي الحجاج المزى وعن ابن كثير.
انظر: السيوطي - تاريخ الخلفاء: 13.
(2) يقول ابن خلدون في مقدمته: (فلكل هؤلاء عذر فيما وقع، وكلهم كانوا مهتمين بأمر الدين، ولا يضيعون شيئاً من تعلقاته ثم نظروا بعد هذا الواقع، واجتهدوا والله مطلع على أحوالهم وعالم بهم، ونحن لا نظن بهم إلا خيراً لما
شهدت به أحوالهم ومقالات الصادق فيهم).
ابن خلدون - مقدمة: 270/ 1 وانظر: ص 272 ن م.
ومن المعلوم أن الناس اختلفوا كثيراً في القديم والحديث في فتن الصحابة، فمنهم الذين يعذرهم كما قال ابن خلدون، ومنهم الذي يلوم فئة ويعذر فئة، ونحن نسكت عنهم ونكف ألسنتنا وأقلامنا لأنه أمر غاب عنا، لكن يجب على الباحث ذكر من أظهروا الدعوة إلى الله ضد الجور والفسد الأخلاقي، وانظر رأى الأباضية في هذه المسألة في: البرادي ـ الجواهر المنتقاة: 143 - 145.
119