Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٢4 ـ مجلس الوعظ والإرشاد:
ذكرنا فيما سبق
(1)
من خلق الإمام أبي عبيدة وورعه عن حطام الدنيا ورغبته فيما
دعاة
عند الله تعالى ما يكفينا عدم إعادته يقول علي يحيى معمر في وصفه للإمام أبي عبيدة: (لقد كان مسلماً في دينه وفى خلقه وفى عمله وفي علمه وكان داعية من الإسلام، لا يفتنه زخرف الحياة ولا تغره زينة الدنيا ولا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة) (2). واتخذ هذا الإمام مجلساً للذكر فإذا قعد للذكر ازدحم هذا المجلس بالناس من كثرة ترغيبه وترهيبه، يقول عنه الشماخي: (ويزدحم إليه لاستماع ما يقع الأسماع من زواجر و وعظة). فكان يعظ الناس رغم ما يلاقيه من محن وبلاء من قبل السلطة الحاكمة ولا يخاف في الله لومة لائم.
(3)
وفي يوم من الأيام كان يذكر في مجلسه الذي أعده لهذا الغرض فذكر الجنة والنار، وذكر ما أعد الله لأهلهما فيهما وخوف من النار ومن عذابها، ورغب في الجنة ونعيمها، وكان ذلك أيام قيام طالب الحق باليمن فقال له أبو الوزير: لو أنك ذكرت أصحابنا باليمن ورغبت في نصرتهم لكان أحسن ولو أننا أردنا الاستماع إلى ما قلته: لجلسنا إلى من هو أوصف منك، فرد عليه الإمام أبو عبيدة: إن الرجل ليتكلم بقدر ويسكت إلى أجل (4). والمعنى أن الرجل وإن طال سكوته عن التذكير والإرشاد فإنما يكون ذلك لفترة محددة ولكنه لابد من أن تحر که نفسه وتلتهب عاطفته فيقوم بتذكير الناس وإيقاظهم من غفلتهم.
في
وكان من مواعظه أن قال يوماً: عجبت لتقصيرنا في بقية عمرنا) ألا ترون أن نعمة الله علينا وعليكم أنا نرجو أن تصل مودتنا إلى أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود، إلى أنبياء الله الأولين القدامى فكيف تقصر مودتنا في إخواننا وشركائنا في الله وأعواننا على ذكره بالبر والتقوى، ولو تعلموا ما سبق به أولكم ـ إن كنتم صادقين ـ الحزنتم طويلا ولبكيتم في الليل كثيراً، ولبكيتم كما بكى الذين من قبلكم من المسلمين) (5)
حب
(1) انظر: ص 37) من هذا البحث وما بعدها. (2) الأباضية في موكب التاريخ حلقة أولى: 157.
(3) الشماخي - سير
78/ 1:
(4) الدرجيني - طبقات: 259/ 2 - 260، الشماخي - 1 - سير: 103/ 1، الحارثي ـ العقود: 139. (5) أبو غانم ـ قطعة من المدونة القديمة: 18/ 17، الديوان المعروض 587.
212