Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٤اندرس من شريعة الإسلام الخالدة سببت له تلك المحنة التي لا قاها من الحجاج بن يوسف الثقفى الذى وطد الملك لآل مروان بن الحكم، فكان ساعدهم الأيمن في العراق، وملكوه الحجاز أيضاً بعد هزيمة ابن الزبير، كما جاء ذلك في كتب التاريخ
الإسلامي، وأعماله البشعة بفقهاء المسلمين وخيارهم مشهورة لا داعى إلى ذكرها. فالذي لاقاه هذا الإمام شبيه بما لاقاه سلفه جابر بن زيد، وزميله ضمام بن السائب، وغيرهما من المشايخ الأباضية وغيرهم، ناهيك بمن قتلهم من خيار المسلمين وكان آخر من قتل سعيد بن جبير رحمه الله
بن
حنبل
وكأني بالزمان يقول لأبطال الدعوة من المسلمين لابد من إيذائكم، والذهب الصافي لا تعرف جودته إلا إذا أدخلته النار، ولقد لاقى الأئمة المصلحون أنواعاً من البلاء فقد سجن الإمام أبو حنيفة المتوفى (150 هـ) ومات في السجن بسبب أنه رفض القضاء أو أنه أفتى بجواز الخروج على المنصور، وضرب الإمام مالك بن أنس (ت 179) بسبب فتواه بعدم نفاذ طلاق المكره على البيعة، وضرب الإمام أحمد ت 241) وعذب وسجن بسبب مجاهدته للدولة العباسية وخدمته للسنة، ولاقي الإمام الشافعي (ت 204) أشد العسر والضنك أيضاً فى سبيل الدعوة (1)، وكذلك غيرهم من أقطاب الأمة الإسلامية في كل عصر وفي كل مصر إلا من رحم الله فالحجاج بن يوسف بذل كل جهد لتوطيد حكم المروانيين بما أوتي من براعة وحنكة وسياسة وجبروت وقسوة، وقرب وضاع الحديث لتنتفع منهم الدولة وينتفعوا منها، فوضعوا وجوب طاعة الأمير عدل أم جار برَ أو فجر مهما كان أمره، علماً بأن القرآن الكريم إنما نزل ليبدد الظلم لا ليقره، وينزع الجبروت لا ليوجب طاعة الطواغيت، والسنة النبوية أيضاً تؤيد رفع الظلم والطغيان، فمن غير المعقول أن تثبت أحاديث هذا شأنها وأخذوا يتأولون قوله تعالى: {وأولى الأمر منكم) (2) بولاة الأمر فتجب طاعتهم على كل حال ما داموا يوحدون الله ويقرون برسوله.
وقد غفل هؤلاء أو تغافلوا عن بداية الآية الكريمة وهى قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا فالنداء فيها للمؤمنين، فالحاكم المؤمن حقاً الذي تجب طاعته الذي لا هو
(1) أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام: 111.
(2) النساء: 51.
214