الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

وعمد إلى ثلاثة رجال من كبار الفضلاء المناوئين له فقصد تعذيبهم أكثر من غيرهم، فبنى لهم بيتاً صغيراً من القصب وطلاه بالعذرة من داخله وخارجه، فألقى بهم فيه فمثلوا ثلاثة أيام فقط ثم ماتوا إذ لم يستطيعوا مقاومة الرائحة الكريهة منه (1) وفي أواخر أيام الحجاج كثر الموت في المسجونين فصار يلتمس لهم طعاماً يعذبهم ولا يموتون، ثم وقع الموت فى أهل السجن فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إلى فقال له: ويحك إن أهل السجن قد وقع فيهم الموت وإني لأحب تعذيبهم، قال: اجعل طعامهم الزيت والكراث، قال أبو سفيان: قال ضمام: لما جاءنا الزيت والكراث قوينا عليه وسمنا، قال: فيقال للمجوسي: ويحك ماذا أردت بهذا لو تركتهم فماتوا لكان أروح لهم، قال: وأى راحة لهم في الموت؟ ولعل هذا أن يموت فيخرجوا، ومن مات فلا مطمع فيه) (2)

طبيب له

مجوسي

فانظر كيف كان المجوسى أرأف بالمساجين من الحجاج، وأرجى لحياتهم لأن موتهم - في نظره - ليس فيه فائدة لهم ولا للمجتمع فلعل الحجاج يموت ويعود هؤلاء إلى طبيعة الحياة وهذا ما وقع بالفعل.

فقد مات الحجاج ولم يحمل معه سوى الإثم وسوء الذكر ولم ينل من الحياة إلا ما استهلكه من اللذات العاجلة والأثرة الزائلة عند أوليائه بني مروان، فزالوا كلهم من الحياة وبقى أولئك الأعلام ينشرون الإسلام ويبلغون الناس صوت الحق ويؤدون أمانتهم حسبما أمر الله، فكان سجنه لهم كرمى العود العطري في النار، إذ بلغت رائحته كل من كان فيه بقية من حاسة الشم وبقيت آثارهم الخالدة

عموماً

وكان للإمام أبي عبيدة دور مهم في محاربة البدع المنتشرة في البصرة والعراق، وله مواقف سنبينها في المطلب الآتي

المطلب الخامس: موقفه من البدع:

عاش أبو عبيدة في عصر تموج فيه البصرة بالتيارات المتناقضة والمدارس الكلامية المختلفة والنزاعات المتباينة، فقد عاصر نشأة الشيعة والقدرية والمرجئة الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وحرمة نسائهم وعاصر أيضاً تيار الزندقة، وعاصر

(1) نفس المرجع السابق.

(2) نفس المرجع السابق

217