Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧من
إن هذه الظروف جعلت البربر يشكون في عدالة الولاة وصاروا يتلمسون المخرج هذا الطغيان والجبروت والظلم، فالتفوا حول من ينادى بوجوب العدل ويدعو إلى مساواة الناس بعضهم ببعض في الإسلام الذى جعل المسلمين أمة واحدة لا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى، ولا يشرف الشريف إلا بها ولا تنال العزة فيه إلا باتباع منهجه، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه. وجعلوا يتفهمون قواعد العدالة والمخرج من الأزمة، ونور الهداية فوجدوها في الحقبة الراشدة التي سارت الخلافة بالشورى فيها فكان الأمير كأحد الرعية ولا يحتجب عنهم ولا يعدو عليهم، وينصف من نفسه للناس قبل أن ينصف من الناس للناس، ورأوا أن تقديم خليفة يسوسهم بهذه الطريقة هو مخرج وملجأ يلجأون
إليه.
خير
لمهنة
لذلك سلكوا مسلك الاختيار والانتخاب وأخذ العهد والمواثيق على من يختارونه قائداً وإماماً لهم أن يحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبيه له، وأن يطأ أثر السلف الصالح من الأمة وهكذا ظهرت الإمامة في المغرب على نحو ما سنرى في المبحث الآتى إن شاء الله:
الأباضية قبل أبي الخطاب بطرابلس:
لا تعتنى المصادر الأباضية القديمة كبير اعتناء بالثورات التي قادها الأباضية بالمغرب قبيل إمامة الخطاب المعافرى التى يسمونها إمامة (الظهور)، ولعل ذلك يعود إلى عدم تنظيمها وقوتها قبل أبي الخطاب
والملاحظ أن أول قيام للأباضية على ولاة المغرب كان عام اثنين وعشرين ومائة بقيادة عبد الله بن مسعود التجيبى، وكان عالماً فقيهاً ذا شخصية وحسن تدبير وقد آزرته قبيلة هوارة (1)
إلا أن مدة قيامه لم تطل ذلك أن إلياس بن حبيب الفهرى الذى ولاه أخوه عبد الرحمن بن حبيب على طرابلس قضى على عبد الله بن مسعود قبل أن يستفحل أمره، وكان عبد الرحمن حينئذ والياً على القيروان وانتهى أمر التجيبي حوالي عام
(1) سالم يعقوب - تاريخ جربه: 60، محمود إسماعيل - الخوارج في بلاد المغرب: 83.