الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٦٧

من هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم في مقالته، فاعتمد أقوالهم وسلك مسلكهم، وكفى بهم حجة في الدين إذ إنهم عدول لم يدخلوا في شيء من الفتن، وقد جالسوا رسول الله وأخذوا. عنه فاغترفوا من نور النبوة ونهلوا من منهل الوحى.

فتلقى أبي عبيدة عن من أخذ عنه وكان موصوفاً بالصلاح والتقوى والورع والأمانة، تلقي واغتراف من بحر الرسالة مباشرة إذ لم تشبه شائبة وضع ولا تدليس ولا قدح في شيء، وقد تأثر أبو عبيدة بمنهجهم وسار على سيرتهم، ولذلك كانت له مكانة الصدارة بين فقهاء الأباضية وصار مرجعاً لهم ومنارة علم بينهم يهتدى بها، فتبوأ رئاسة الأباضية في العلم والقيادة خلفاً لشيخه أبى الشعثاء جابر بن زيد كما سنبينه في المبحث الآتي:

المطلب الثاني: انتماء مدرسته:

قبل أن ندخل في موضوع انتماء الإمام أبي عبيدة إلى أى مدرسة يحسن بنا أن نبين بإيجاز نشأة الحديث والرأى. مدرستي

فقد نشأت هاتان المدرستان نتيجة إفرازات اجتماعية وبيئية متعددة، وكان مقر مدرسة الحديث الحجاز المدينة (ومكة)، ومدرسة الرأى العراق (الكوفة والبصرة) (1). وكان لذلك عدة عوامل: منها توفر الحديث ورواته بالحجاز لأنها مهبط الوحي، ومنها عدم الحاجة إلى الفقه الافتراضي بالحجاز، إذ لم تكن تعتريه المشاكل والنوازل التي استجدت بالعراق، ومنها تحذير الصحابة الأوائل الناس من كثرة الرواية فأخذت موقف التحرى والتوقف عن الفتوى فيما لم يرد فيه نص، وقد نتج هذه الأسباب ظهور مدرسة الحديث بالحجاز، ويعتبر الإمام سعيد بن المسيب عن ركتها الأولى لتتلمذه على الصحابين الجليلين عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت

والتحديث

رائد حر رضى الله عنهما

(2)

كما أن من عوامل ظهور مدرسة الرأى بالعراق كثرة الحوادث المتجددة والتوقف عن قبول كثير من الروايات بسبب ظهور الوضع في الحديث، وميل رواد المدرسة هذه

(1) انظر: محمد يوسف موسى - المدخل لدراسة الفقه الإسلامي: 53/ 52، النبهان ـ المدخل للتشريع الإسلامي:

153/ 50

(2) نفس المرجع أعلاه والصفحة: 150.

367