Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨من
الصحابة أمثال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه إلى إعمال الفكر والنظر فيما لم يرد فيه نص، كل هذه أدت إلى وجود كثرة القياس في العراق.
وليس ثمة فرق كبير بينهما سوى عدم توفر الحديث على شروطه في العراق مع كثرة النوازل، ولا يعتبر المصر فاصلاً بين المدرستين إذ أن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك نشأ بالمدينة وهو من رواد مدرسة الرأى، والثورى والشعبي بالعراق وهم من رواد مدرسة الحديث، والأوزاعى والزهرى بالشام وهم من مدرسة الحديث أيضاً (1). ويبدو لى والله أعلم أنه لو ابتلى أهل الحجاز بمثل ما ابتلى به أهل العراق لتوسعوا في الرأي، والعكس صحيح، وما دام الأمر كذلك فليس ثمة خلاف جوهرى بين المدرستين .. وذلك لأن الكل منهم يعمل بالأحاديث الصحيحة، كما أن الكل يضطر إلى القياس في كثير من المسائل، ولذا وجدنا في المدينة من يستعمل الرأى وفي العراق من ينتمى إلى مدرسة الحديث كالشعبي والثورى (2).
وكما رأيت فإن لكل من المدرستين مميزاتها الخاصة، فقلة رواية الحديث وشيوع الرأى والافتراضات من مميزات مدرسة الرأى والعكس من مميزات مدرسة الحديث (3). وأن إفرازات تطور البيئة الإسلامية والتحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي في أواخر القرن الأول، كان من أكبر الأسباب والدواعي إلى كثرة الاختلافات الفقهية وتباين وجهات النظر العلمية والفقهية، إذ دخلت على المجتمع الإسلامي عدة عوامل اجتماعية وغيرها عادات وتقاليد وأعراف مختلفة من المشارقة والمغاربة بين وأهل الشمال وأهل الجنوب، ولكل قوم نظرتهم تجاه الحياة، مما أدى بالفقهاء أن يتأثروا وأن يظهر ذلك جلياً في تطبيق الفقه على الواقع العملي في الساحة الإسلامية، فمن الضروري أن تظهر هاتان المدرستان وغيرهما فى الحجاز والعراق وما والاهما، بيد أن هناك كان وسطاً بين هذين الخطين على ما سنبينه إن شاء الله
من
(1) النبهان - المدخل التشريعي الإسلامي: 150.
(2) انظر: محمد فاروق النبهان - المدخل للتشريع الإسلامي: 150
،
(3) المرجع السابق ص 156 وما بعدها ـ عبد الكريم زيدان - المدخل لدراسة الشريعة: 136 وما بعدها، مناع القطان - التشريع والفقه في الإسلام: 225 وما بعدها، محمد يوسف - مدخل لدراسة الفقه الإسلامي:
54/ 46، مبارك الراشدي - نشأة التدوين للفقه: 47/ 42.
368