Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٦٩تبين لنا مما ذكرناه في المبحث الأول أن الإمام أبا عبيدة قد تتلمذ على بعض الصحابة، فهو من صغار التابعين، كما تتلمذ على كبار التابعين كالإمام أبي الشعثاء، وقد عاصر نشأة المدارس الفقهية والخلافات المحتدمة بينهما، فإلى أي مدرسة منهما ينتمى هذا الإمام؟. عند بحثنا لهذه المسألة تبين لنا أن الإمام أبا عبيدة ينتمى إلى المدرسة الوسط التي ينسب إليها الحبر ابن عباس، فقد كانت لا تهمل الرأى بتاتاً بالحديث، ولا تذهب إلى الرأى إلا بشروط وقيود، وإلا عندما لم تجد نصاً في المسألة.
(1)
، وهي مع
ذلك غنية
ذلك لأن آثار الإمام شاهدة على وجود القياس وبالمقارنة بين تلك النصوص مع النصوص التي أثرت عنه في ذم القياس يظهر أن للإمام شروطاً في القياس لئلا يؤخذ به على الإطلاق، ولئلا يهمل العمل بالحديث .. ثم إن الإمام أبا عبيدة لم يكن له اتصال كبير فضلاً. التتلمذ على رواد مدرسة الرأى بالكوفة، لأنه عاش بالبصرة، من ولم يكن الإمام أبو الشعثاء. يروى عن ابن مسعود إلا نادراً، وإنما أكثر مروياته عن ابن عباس، وأبى هريرة، وأبى سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وهؤلاء عاشوا بالحجاز ولم يوصفوا بالرأى، إلا أن مدرسة الحبر ابن عباس قد اشتهرت بوفرة تلاميذها الكبار كأبي الشعثاء، وعكرمة، وابن دينار جبير، وغيرهم. ولم تكن تهمل القياس بجانب أخذها بالسنة.
،
وسعيد بن
ولم يتتلمذ أبو الشعثاء على عمرو بن مسعود وهما موصوفان بالرأى (2)، ولكنه تتلمذ على عبد الله بن عمر الموصوف بتوقفه المستمر عن القول بالرأى، (ولقد لقى أبا الشعثاء يوماً بالطواف فقال له: إنك من فقهاء البصرة، وإنك تستفتى فلا تفتين إلا
بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت) (3).
فإلى جانب وجود الإمام أبي عبيدة بالعراق التي انتشر فيها أتباع مدرسة الرأى، نجده يتحفظ تحفظاً كبيراً من الانسياق وراء القول بالرأى، ولذا قال: (من ذهب في القياس ذهب فى الدمار) (4)، ورأينا أيضاً تحفظه في سند الحديث
(1) راجع المطلب الرابع من المبحث الثاني من هذا البحث. (2) انظر: مناع القطان - التشريع والفقه في الإسلام: 224. (3) يحيى محمد بكوش - فقه الإمام جابر بن زيد: 70 و مراجعه. (4) راجع ص 499 من هذا البحث ومراجعه.
369