الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

انتشر فيها المذهب الأباضي، وتجد أثر ذلك في العمل إلى يومنا هذا (1)

ومع أن فقه الإمام أبي عبيدة منتشر بين الأباضية إلا أنك لا تجد له ذكراً في كتب غيرهم، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه من الأباضية بل من رؤسائهم،، إذ أن كل من ينسب إلى هذه الفرقة من الناس يومئذ تطرح روايته، ويبتعد عن الأخذ عنه، ولا أدل على ذلك مما ذكره ابن سعد في الطبقات: أنهم كانوا يسألون جابر بن زيد هل تعرف الأباضية؟ فنفى جابر ذلك، بل أجاب بالإثبات في صيغة النفي حيث قال: (لا أبرأ إلى الله منهم) (2)، وذلك لأنه لو قال: إنه يعرفهم لوشى به، ومن المعلوم المؤكد أن جابراً إمام الأباضية يومئذ، وهو رئيس للفرقة المعارضة للحكم الأموى، بالإضافة إلى كثرة النقل والرواية عنه فى الكتب الأباضية حديثاً وفقهاً، فأبو عبيدة ـ وهو إمام الأباضية بعد جابر ـ لابد أن يناله نفس الاتهام، وبالتالي فلا يروى عنه حديث ولا فقه عند غير الأباضية.

(4)

وكان أبو عبيدة عندما يذهب لموسم الحج تنهال عليه القضايا وطلب الاستفتاء، فإذا جلس مجلساً لا يكاد يقوم منه من كثرة المسائل العلمية وورود الناس إليه، فكان مجلسه حافلاً بمذاكرة العلم وتفقيه الناس (3). وكانت له هيبة عظيمة ووقار وسكينة وعندما يعظ الناس ويذكرهم لا يتكلم أحد في مجلسه من عظم هيبته، ويرجع إليه أمر أهل الدعوة في خراسان واليمن وعمان وغيرها مثل المغرب، ويحتكمون إليه فيما يهم الدعوة وأبناءها هناك، فيقوم بدور الفيصل في حل المعضلات، فقد رفع إليه أهل حضرموت قضية زجر الحضرمي. عندما استأمن معن بن زائدة على ابن عمه، إذ هرب من معن حين قتل المسلمين وشردهم فقال أبو عبيدة: يقتل ابن عم زجر سر سراً وعلانية، فقالوا له: إنا لا نتهمه في زجر، فقال: (أيعرف أن معناً يقتل بعدما يؤمن؟ قلنا: نعم، قال: يقتل سراً وعلانية (5).

كما رد إليه أهل خراسان مسألة إخوانهم المقتولين، وذلك أن قوماً من المسلمين

(1) أبو غانم - المدونة الكبرى: 315/ 304/1 وما بعدها.

(2) وللعلم فإن هذه العبارة تحتمل الإثبات كما أنها تحتمل النفي، فهل لا منفصلة عن الفعل أم متصلة به؟ فيه احتمال

فلينظر في ذلك.

(3) الدرجيني - طبقات: 245/ 2.

(5) انظر: الشماخي - سير: 1/ 107.

(4) نفس المرجع: 244.

377