الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٨١

المطلب الرابع: تدوين فقهه:

لقد تم نقل فقه الإمام أبي عبيدة إلى من بعده عن طريق تلاميذه الذين حملوا عنه العلم من مشارقة ومغاربة، وعن طريق أجوبته للاستفتاءات التي توجه إليه وحفظها المستفتون غير التلاميذ في كثير من الأقطار الإسلامية.

لكثير

ولا

يوجد

لأبي عبيدة فقه مصنف منظم من تأليفه هو بنفسه، وذلك أمر طبيعي

في تلك الفترة، ولعله كان موجودا ولكن لم نعثر عليه كما لم نعثر على فقه مصنف من التابعين، أمثال عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، وربيعة الرأى، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعى، وغيرهم على الرغم من عظمتهم فى العلم، وقيامهم بتعليم الناس، والفتوى إلا أنهم لا يؤثر عنهم مصنفات فقهية، إذ لم تنتشر بعد فكرة التأليف في تلك الفترة حتى منتصف القرن الثاني تقريبا (1)، وبحجة أن عكرمة كان يرى رأى الخوارج فقد ضاع أكثر فقهه وفتاويه (2) وهذا دليل واضح على أن أكثر فقه المعارضين المتهمين بالخروج لم يصلنا نتيجة الملاحقة السياسية التي استمرت وراءهم طوال حكم الأمويين والعباسيين، وهناك عدة احتمالات لعدم وصول شيء من تأليف أبي عبيدة إلينا، إن كان ثمة تأليف له وهى: 1 ــ لعل أبا عبيدة ـ وهو يدرس في غار في الأرض – خوفا من بطش الأمويين ـ لم يكن يرغب فى الكتابة فى تلك الحقبة خوفا من العثور عليها وتقطيعها والتنكيل بصاحبها، خصوصا وأنه قد وضع سلسلة على باب الغار لمعرفة القادم إليهم هو وتلاميذه، وكانت مهمة الواقف على الباب - بالتناوب ـ تحريك تلك السلسلة ليتركوا الدراسة ويشتغلوا بصنع القفاف، فلو أتى آت إليهم يرغب في معرفة ما يصنعون لم يجد عندهم سوى تلك القفاف والسعف الذي يصنعون منه، وتختفى الأقلام و الأوراق والحبر تحت تلك القفاف (ومن ذلك السرداب الخفى الذي تصلصل السلاسل على بابه وتتكدس فيه القفاف الأقلام والأوراق انطلقت الدعوة الحرة الكريمة للمحافظة على تراث محمد كما جاء به محمد، فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق، وأقصى المغرب، وأقصى الشمال وأقصى

(1) انظر: بلتاجي - مناهج التشريع الإسلامي: 91/ 1

93:

(2) نفس المرجع: 3

381