الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٤٠

لعله

أخرى

من

يرى في الحديث دلالة تخرجه عن ظاهره في الرواية أو المتن، أو اعتبارات وجه نسخه أو تقييده، أو تخصيصه، أو غير ذلك، مما لا يعد تركاً للعمل بالحديث، وقد وقع لكثير من الفقهاء مثل ذلك أمثال الإمام مالك إذ روى مجموعة أحاديث في الموطأ ترك العمل بها (1)، وهذا لا يعنى أنها ضعيفة الإسناد أو المتن، بل لاعتبارات ومرجحات أخرى جعلته يخالفها في العمل بغيرها.

وقد نص ابن تيمية على جواز تقليد هؤلاء العلماء (2)، فالخلاف في هذه الأمور ليس من الأمور المفضية إلى الخروج عن قواعد التحديث، بل لكل واحد من المحدثين وجهة نظره فى التقيد بشروط وهو أعلم بما يرويه، فلابد من حدوث بعض الفوارق

في التطبيق.

وأخيراً هل يروى الإمام أبو عبيدة الحديث بالمعنى أم لا؟

فإننا نجده يروى الحديث بالمعنى، فمثلاً روايته الحديث الركاز وهو قوله: (أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: جرح العجماء جبار، والبثر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» (3) فبينما رواه بلفظه في الجامع تجده يرويه بالمعنى ونصه: أبو المؤرج قال: (حدثني أبو عبيدة رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل تجتمع فيه الدواب فهو جبار، وكل قليب يحفرها صحبها جبار، وكل معدن جبار، وفي الركاز الخمس» (4). فروايته الثانية للحديث نفسه مختلفة في اللفظ عن الرواية الأولى إذ الأولى باللفظ، والثانية بالمعنى

حمى

ويظهر مما سبق أن الإمام أبا عبيدة كانت عنده عدة اعتبارات أدت به إلى مخالفته للعمل بروايته، أو رواية غيره، ومرد هذه الاعتبارات النظر إلى القواعد التحديثية، أو الأصولية الشرعية، ولم يكن رداً لحديث الآحاد ولا تقديماً للقياس عليه، إذ تبين لنا أنه كان يلجأ في ذلك إلى مستند أصيل، ولابد لنا من أن نعرف موقف أبي

(1) انظر: السنة ومكانتها في التشريع: 421. (2) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام: 38/ 37.

(3) الجامع الصحيح: 85.

(4) المدونة الكبرى: 237. الحديث: جرح العجماء جبار، والبئر، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» .. أخرجه البخاري في كتاب الديات - باب المعدن جبار والبئر جبار: 21 بلفظ العجماء جرحه جباره .... إلخ، النسائي كتاب الزكاة - باب المعدن: 45/ 5، الترمذى ـ كتاب الزكاة ـ ما جاء أن العجماء جرحها جبار وفي الركاز الخمس: 34/ 3، أبو داوود - كتاب الديات: باب العجماء والمعدن والبئر جبار: 196/ 4.

440