Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٥٣،
ومثل هذه الأمثلة كثير ونخرج من هذا إلى أن الإمام أبا عبيدة كان يأخذ بالمصلحة المرسلة دليلاً شرعياً يحقق مصالح العباد، وهو المقصد الأسمى للشريعة ولا يمكن الاستغناء عن هذا الباب في كل عصر وكل مصر، لإيجاد الحلول المناسبة للمسائل المطروحة على ساحة العمل.
جـ ــ الاستصحاب:
مضى
ومن الأدلة التي يأخذ بها الإمام أبو عبيدة (الاستصحاب) ومعناه: الحكم بالبراءة الأصلية.، وباستقراء فقه الإمام نجد كثيراً من العمل بهذا المبدأ ذلك أنه، ومن يوماً يريد المسجد بالبصرة وقد أصاب الغيث وصار الماء مستنقعاً في الطريق وفيه بول الدواب وأرواثها فقال له قائده - إذ كان يومئذ أعمى - إن الماء الذي وطئته في الطريق به بول فقال: أيهما أكثر البول أم الماء؟ فقال له القائد: الأكثر الماء، فقال: امض، فلما وصل المسجد دعا بماء ليغسل به أثر الطين فقط وصلى ولم يتوضأ. وذلك استصحاب للأصل من أن حكم الماء الطهارة حتى تتيقن نجاسته إذ الأصل
البراءة.
وكذلك جواز شهادة النساء على ما تختص به النساء كالعذراء والرتقاء واستهلال الولد في النفاس، وكذلك الرضاع (2)، وذلك لأن الأصل إطلاع النساء على النساء فأجاز شهادتهن استصحاباً للأصل.
ومثل ذلك الشهادة على خروج رمضان بحيث لا تقبل إلا بشاهدين عدلين (3)، لأن الأصل شغل الذمة بالصيام فلا يمكن الخروج منها إلا بيقين، ولا يؤدى إلى اليقين إلا شهادة العدلين الذين جعلهما الله أهلاً للقضاء بشهادتهما، فهذا من قبيل استصحاب الأصل.
ومن
هذا القبيل شرب الإمام أبي عبيدة للنبيذ في منزل أبي عيسى أحد تلاميذه الذي يقول فيه ابن عبد العزيز: (وأين فينا مثل أبي عيسى حلاله حلال المسلمين، وحرامه حرام المسلمين، أفيتهم في هذا ويسأل نبيذه بل هو المأمون عليه) قال: (وكان أبو عبيدة من الثقة به والاطمئنان إليه على ما ليس لأحد إلا من نزل منزلته من
عن
(1) المصنف: 319/ 168/3. (3) المدونة الكبرى: 225/ 2.
(2) المدونة الكبرى: 330/ 2.
453