الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٥٩

يبيعها حتى يعرضها على جاره، وإنما هذا فيما نزل من رأيه في الاستحسان، وفيما يجمل أن يصنع الحجار، وأما على غير ذلك فلا) (1) إن رأى أبي عبيدة في هذه المسألة يدلنا على أنه كان يأخذ بمبدأ الاستحسان ذلك لأن جوابه للمسائل بعرض المبيع على

بوجوب

الجار لمعرفة رغبته فيه بالثمن داخل في باب الاستحسان وما ينبغي في حق الجيران بعضهم لبعض. وأوضح ذلك ابن عبد العزيز صراحة في أن مذهب الإمام عدم إيجاب الشفعة. لغير الشريك المقاسم، وقد خالفه فى هذا الرأى إبراهيم النخعي فقال الشفعة للجار (2)، كما أنه كان يجيز وصية الصبى الذى لم يبلغ الحلم إذا كانت موافقة للحق مع أنه غير مكلف على جهة الاستحسان، وذلك لأنه لا يلزمه من التكاليف الشرعية شيء ولكنه يستحسن، وينبغى أن تمضى وصيته، (سألت أبا المؤرج عن الغلام الذى لم يحتلم فيوصى بوصية أتجوز وصيته؟ قال: نعم. أخبرني بذلك أبو عبيدة أن وصيته جائزة ما موافق الحق والصواب (3). وكان أيضا يرى فيمن تصدق بصدقة ثم يرثها، أنه يجعلها في باب من أبواب البر على جهة الاستحسان (قلت لأبي المؤرج: الرجل يتصدق بصدقة ثم يرثها قال: حدثني أبو عبيدة أن الرجل إذا تصدق بصدقة وهو يريد بها وجه الله تعالى ثم يرثها، فإني أرى له أن يجعلها في مثل ذلك الوجه ولا يأكلها) (4) وهذا ظاهر أنه بطريق الاستحسان فقط، وذلك لأن الميراث حلال فلا يحرم عليه أكل ما ورثه من هالكه. سواء كان صدقة منه أم من طريق آخر ولكن يحسن له ترك ذلك. وقد رأيت من عرضنا لهذه النصوص الثلاثة أن الإمام أبا عبيدة كان يستعمل الاستحسان ليتمشى مع أهداف الشريعة ومقرراتها، وإن كان ذلك العرف لم يظهر في عصره، ولكن مؤدى هذا الرأي في هذه المسائل يعبر عن الاستحسان مادام يحقق هدفاً سامياً فراراً من القياس الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، فهو وإن كان دليلاً شرعياً إلا أنه في بعض الأحيان قد يؤدى إلى الحرج فيقوم دليل الاستحسان أو المصلحة المرسلة مقامه

ز - القواعد الفقهية:

أما القواعد الفقهية التي ظهرت فيما بعد فلم تتحدد يومئذ بمفهومها الاصطلاحي،

(1) يتبين من هذا أن الإمام يضعف شفعة الجوار فقط، أما شفعة الشريك فلا يضعفها. وقد ذكر الحارثي في العقود الفضية أنه يضعف أمر الشفعة عموماً - انظر: العقود: 141.

(2) المدونة الكبرى: 175.

(4) المرجع السابق: 181.

(3) المرجع السابق: 219.

459