Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٦لم تكن موجودة زمان الخلافة الراشدة فبنى لنفسه قصرا سماه الخضراء، واتخذ فيه السرير للجلوس، ووضع حوله الستائر، وأحاط نفسه بالحجاب، وجعل الحراس تمشى بالحراب بين يديه وأوجد الشرطة الحراسته، وكان إذا صلى في المسجد جلس في بيت منفرد، بجدران عرف بالمقصورة بقصد حمايته أثناء الصلاة، وهذه الأمور ما كانت موجودة عند العرب بل هى من سيرة الملوك (1) واتخذ ديوان الخاتم وحزم الكتب وكانت لا تحزم (2).
يمس
من
وسار معاوية في الأمة بهذه السيرة سيرة الأبهة والسيادة – وفي الناس ما فيهم من الغيظ على تغير وجه الخلافة من الاستقامة إلى ترك الناس وشأنهم فيما يعملون ما لم ذلك شيئا من سياسة الملك فسلك الناس مناهج شتى، والسواد الأعظم من الأمة وراء ما يمليه معاوية عليهم باستثناء الخاصة، ولا يستغرب أن حدث هذا التغير من أناس لا صلة لهم بقرب الرسالة المحمدية، ولكنه أن حدث من مثل معاوية وأعوانه الذين عاصروا نزول الوحي برهة من الزمن وقلبوا أبصارهم في وجه النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين والأنصار والذين قال الله فيهم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه … إلخ الله (3) هؤلاء هم الذين تربوا في معهد النبوة، فاتصفوا بهذه الأوصاف وتغيّر هذه الحالة هو الذى أدهش الناس يومئذ، فثبت الله الذين آمنوا حق الإيمان بالقول الثابت وتمسكوا بالمحجة البيضاء، فما حدث من معاوية لمما يدهش المسلم. وعندما توفى معاوية خلفه ابنه يزيد (14) (هـ) فغير وبدل فأصابت الأمة نكسة في الأخلاق والآداب وانتشرت فيها المادية والعبث، ووجد المغرضون سبيلا إلى وصول المثل الإسلامية إلى الحضيض، وصار كثير من الناس يجرون وراء النفع العاجل، واتصف يزيد بشربه للخمر وسفكه للدماء وسمعه للغناء، يقول البلاذرى: (كان يزيد بن معاوية من شرابي الخمر. سماعى الغناء، المستهترين وممن اتخذ الصيد حرفة واتخذ الفتيان والغلمان والتفكه بالقرود والمعاقرة بالكلاب والديكة، وجرى
-
(1) انظر: اليعقوبي ـ تاريخ: 223/ 2، ابن خلدون - مقدمة: 328/ 1، عبد المنعم ماجد ـ التاريخ السياسي: 22/ 2 - 23، وانظر: عن الفرق بين الخلافة والملك: أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك: 99 - 112، جورجى زيدان - تاريخ التمدن الإسلامي: 1/ 81 - 83.
(2) انظر: الطبري - تاريخ: 184/ 6.
76
(3) الفتح: 29.