Alsaidia_763_Original
الجزء ١ · صفحة ٤١وبعد ذلك، التحقت بهم جموع أخرى من الإباضية وغيرهم، وشرعوا في تأسيس قراهم واحدة تلو الأخرى، حسبما يقره التاريخ. (الملحق IIX). بينما كنت أراجع هذه السطور، بقي في ذهني سؤال عالق، يلاحقني من صفحة إلى أخرى ولابد أنكم تطرحونه مثلي وهو: "كيف تحول بنو مصعب من بدو رعاة إلى أهل حضارة مبدعة في كل ميادين الحياة فلاحة ري، بناء تجارة، وتدبير مجتمع؟. لقد أصبحوا منذ أوائل القرن الماضي، محط أنظار السواح والدارسين والمثقفين من كل بقاع العالم. وتصفحت العديد من الكتب التي أشادت بهذه الحضارة التي لم تتبلور إلا بعد تأسيس قرى وادي مزاب ولم أجد كتابا واحدا يتحدث عن جذور تلكم العبقرية الحضارية. فأحاول الآن الإجابة عن هذا السؤال في بضعة سطور.
أما في ميادين الدين وسياسة المجتمع، فإن الإسلام قد بلور حضارة بربرية جماعية عريقة، أتم نسيجها ثلة من العلماء جاؤوا من المشرق وليبيا وجربة
وأريغ ووارجلان فوضعوا لمساتها الأخيرة في مجالس عمي سعيد والكرثي. أما في الفلاحة فقد أبدعوا ودرسوا وألفوا حسب تجاربهم في الأرض والمناخ القاسي. (الملحق IV كأحسن مثال). أما التجارة فإن شهرتهم تعدت الآفاق وأكسبتهم تجارب واسعة عبر إفريقيا والأندلس والمشرق والمغرب. أما الري فإن قساوة الطبيعة وندرة الماء وعقيدتهم في المساواة، فرض عليهم حب العمل والتقشف؛ كما أعانتهم على وضع نظام ذكي للحفاظ على كل قطرة تجود بها السماء أو يستخرجونها من تحت الصخور. ولا شك أن تجربة الجنود البرابرة الذين فتحوا الأندلس بقيادات عربية إسلامية، أكسبتهم خبرة رائدة في جنوب إسبانيا. (الملحق VI والصورة رقم 10 - 11). أما الفن المعماري فقد أبهر العالم ببساطته ووظيفيته، سواء فن المسكن أو المسجد أو هيكل المدن. فقد كتب فيه الكثير من المهندسين والمعماريين، دون ذكر منابعه لكنه ككثير من الحضارات لابد أنها قد استفادت من تجارب الوافدين من شتى نواحي المشرق والمغرب والأندلس، بعد انقراض
41