الإسلام المسامح والمسالم: لمحة عن تاريخ ومبادئ الإباضية محمد مسن

Alsaidia_763_Original

الجزء ١ · صفحة ٧٣

بهذا الحديث منكرو التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر، فثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلفا في تأويله؛ إذ حمله الفريق الآخر، على معنى غير صحيح وإنما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه الهوى. ثانيها ظهور أصحاب الأهواء في واقعة النهروان؛ إذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي وهو إمامهم؛ والحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط، ولكنهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تكن في أعناقهم، بل هم في حلّ منها؛ حيث أن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم، وإلا فلم التحكيم؟ فاعتبروا التحكيم تنازلاً من الإمام أبي الحسن عن البيعة. إذاً، منكرو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاءون إماماً لهم. فاختاروا رجلاً من أفضل الناس يومئذ، ومن الصحابة الكرام، وهو عبد بن وهب الراسبي الأزدي. فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إماماً. فرأى علي بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي، فحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم فتخرج الإمامة لغير قريش وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان 27. لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوّهم معاوية ومن معه ولكن الأمر قد فات؛ فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فأصبح المسلمون في حل من أمرهم، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة، بوقوع ما حذر أولوا البصائر من منكري التحكيم: وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر، تولى كبره الأشعث بن قيس الذي دُسَ على أصحاب علي، من قبل معاوية.

الله

منه

27 لنذكر بأن المحكمة هم كل الذين رفضوا التحكيم ومآلاته ونادوا بالاحتكام إلى كتاب الله (الآية 9 من سورة الحجرات ومن بينهم الخوارج والإباضية أهل الدعوة والاستقامة أن ذاك)،

والرافضين، وعدد غفير من الصحابة والعلماء.

73