الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٢عليه السلام، بارك الله لك فيما أعطيت وبارك الله لك فيما أمسكت (1). قال أبو عبيدة: وجاء أبو عقيل أيضا بصاعين من تمر إلى النبيء عليه السلام فقال: يا نبي الله سمعتك وقد رغبت في الصدقة، وقد حضضت عليها، فأحببت أن آخذ بحظي منها، ولم يكن عندي ما أتصدق به، فواجرت نفسي بصاعين البارحة أجرُّ الجريد (2) الليل كله، حتى أصبح، فهذا أحد الصاعين أقرضته لربي، والآخر أمسكته لأهلي. قال: فقال له النبيء عليه السلام، بارك الله لك فيما أمسكت وبارك الله لك فيما أقرضته، قال: فلمز المنافقون عبد الرحمن بن عوف لما رأوا من كثرة صدقته، وقالوا: أهلك هذا نفسه، واخترب ما أراد بهذا إلا رياء وسمعة. وقالوا في أبي عقيل: لقد كان الله عن صاع أبي عقيل لغنيًّا. قال أبو عبيدة: فأنزل الله تعالى على نبيه عليه السلام حيث استهزؤوا بأبي عقيل في قلة ما تصدق به وحيث لمزوا عبد الرحمن بن عوف في كثرة صدقته،
-
(1)
روي
رضي
الله
روي أن هذه القصة كانت سبب نزول آية من القرآن كما جاء في تفسير القرطبي: «الآية: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَة مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]. أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان عفان وعبدالرحمن بن عوف بن عنهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت). وقال عثمان: يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز، له فتزلت هذه الآية فيهما. وقيل: نزلت في نفقة التطوع. وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله.
هي
العليا».
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 303.
في ل «الجرير»، وما أثبتناه من. م. ولعل صواب العبارة "أجز الجريد".
- 292 -