المدونة الكبرى بشر بن غانم الخراساني أبو غانم

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٥

قلت: ولا يجزئ التصديق بمقالة الشهود والقبول عنهم أن هذه الفرقة قتلت هذه الفرقة ببغيها وظلمها جملة؟ هكذا كما وصفت لك؟ قال: لا أقبل شيئا من ذلك، ولا أصدق في مقالتهم، حتى يصفوا البغي والظلم كيف هو وينسبوه وينعتوه وأما أن يقول جملة: هذا باغ، وهذا بغى عليه، فليس الأمر هكذا، ولا لمثل شهادتهم إلا كما وصفت لك، لأنه قد يمكن أن يجعل المبغي عليه باغيا، والمظلوم ظالما. قلت: وكيف يكون هكذا؟ قال: يصف الظلم والبغي بزحف هذه الفرقة إلى الأخرى، والأخرى كافة في منازلها، حتى دخلت هذه الفرقة الباغية عليهم في حرمهم فقتلوهم ظلما، فيصف البغي بدخول الحرمة والزحف، وقتل أهلها فيها، ويشهدون بالبغي والظلم جملة، على هذا المعنى من غير أن يصفوه، لأن البغي والظلم عندهم دخول الحرمة والزحف إليها، وقتل أهلها فيها. أفَتَرى هؤلاء الشهود يعرفون البغي؟ قلت: أوليس أعظم البغي وأشد ظلما دخول هذه الفرقة على صاحبتها في منازلها وقتلهم إياها فيها؟ قال: ليس بدخول الحرمة والزحف إليها والقتل فيها يوصف البغي، ولو كان كل من قتل في حرمه وزحف إليه في منزله مظلوما، وقاتله ظالما لكان المسلمون حيث زحفوا إلى عثمان وتآلفوا إليه وقتلوه في منزله ظالمين (1)، حاش لهم من ذلك، وحاش أن

- (1)

كان مقتل الخليفة عثمان عفان بداية شرارة فنتة الصحابة، ومنطلق مسلسل بن التمزق في تاريخ الإسلام، ذلك الحدث المشؤوم الذي فرق الأمة شيعا وأحزابا متناحرة، وتوارثت الأجيال هذا العداء عبر القرون، فاستحكمت بينهم العداوة وساءت كم الظنون، وأقاموا جدرًا من حديد بين أبناء عقيدة التوحيد.

ولئن أفاض الأولون في هذه القضايا بما شهدوه من أحداثها وعاصروه من أخبارها، فنحن الخلائف لم يجعلنا الله حكاما على الناس، ولم ينصبنا أحد قضاة على التاريخ، وليس يلزمنا منه إلا الاعتبار والادكار، القَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب).

[سورة يوسف:111]

- 335 -