المدونة الكبرى بشر بن غانم الخراساني أبو غانم

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٨

لعمل الإباضية الأوائل بالقياس، وتأكد الأمر في المصادر التالية للقرن الثالث، إذ تحدث عنه ابن بركة في جامعه حديثا مستفيضا، وأكد كون القياس من مصادر الأحكام، فقال: «الحادثة إذا حدثت لم تخل من حكم الله تعالى فيها، إما أن تكون منصوصا عليها بعينها، أو بأخص أسمائها، وإما أن تكون منصوصا عليها مجملة مع غيرها. وهذا يحقق إن شاء الله في التعبد بالقياس وأخبار الآحاد، وفي كتاب الاجتهاد وتفصيل صفة المجتهدين» (1). ونظر له الوارجلاني، وفصل الحديث عن مسائله بإسهاب. وعلى نفس الخط سار اللاحقون حتى العصر الحديث. إذ بلغ الذروة لدى السالمي في كتابه "شرح طلعة الشمس، وحوصل فيه كل المسائل التي تطرق لها الأصوليون في مباحث القياس.

وفي المجال التطبيقي توسع الإباضية في هذا الدليل، فلم يقصروه على المعاملات بل أجروه كذلك في مجال العبادات والكفارات. ويمكن تشبيه موقف الإباضية الأوائل من القياس بموقف الصحابة من الرأي، فبعض اعتمده وبعض ردّه، وذمّه ووردت عنهم أقوال متناقضة في مجال العمل بالرأي، ثم تبين أن الرأي المستند إلى أدلة الشرع محمود معتبر، وما خالفها فهو مذموم مردود (2). والقضايا الفكرية تجد صداها عبر الأجيال، لأن منطق التفكير

البشري واحد.

(1) _ البرادي، البحث الصادق، 1: 68 و.

(2) _ حول أقوال الصحابة في الرأي، ينظر: ابن القيم أعلام الموقعين، 1: 55 فما بعد. وفيه مسح واستقراء لأقوالهم في الرأي عملا وردا وبين أنهم يردون الرأي المذموم المخالف للنصوص. ويأخذون بالرأي المحمود المنسجم مع النصوص، الموافق لروح

التشريع.

-48 -