الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧سوى القرآن، بيد أن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن منطلق فهمهم لمقاصد النبي الكريم، واستيعابهم لحقائق التنزيل، أدركوا أن قصده من هذا النهي توجيه الناس للعناية بكتاب الله حتى لا يصرفهم - عنه صارف، فحصروا همهم على القرآن، وشغل الكتاب المعجز الناس عن حفظ غيره
من
الكلام.
الله
وكان الصحابة في مضمار الاجتهاد، درجات بين سابق ولاحق، إذ يذكر ابن خلدون أنهم لم يكونوا كلهم أهلَ فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته بما تلقوه من النبي صلي عليه وسلم، أو ممن سمعه منهم من عليتهم، ولذلك كانوا يُسمون بالقراء، أي الذين يقرؤون الكتاب، لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ، وبقي الأمر كذلك صدر الملة، ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتَمَكُن الاستنباط، وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما، فبدلوا
باسم الفقهاء والعلماء من القراء» (1).
كان
ثم دعت الحاجة إلى الاشتغال بآراء الأئمة والمجتهدين، وحفظ تلك الآراء في السطور بعدما وعتها الصدور، خشية اندثارها بمضي الزمن، فيُحرم المسلمون من خير لا يقدر بثمن، خير فقه الأئمة للوحي المنزل، وتطبيقهم لنصوصه في الواقع، وسعيهم لصبغ الحياة بأحكام الدين، واحتضان المجتمع في رحاب الشريعة السمحاء.
من هنا كان المنطلق لبناء صرح الفقه الشامخ، فبذلت جهود خارقة متضافرة لرصد تلك الآراء، وحفظها للأجيال، فحازت مدونات الفقه
(1) - ابن خلدون المقدمة، فصل نشأة علم الفقه، ص 313.
-7 -