المدونة الكبرى بشر بن غانم الخراساني أبو غانم

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣١٢

قلت: أخبرني عن قول الله تعالى: وَلا تُمْسكُوهُنَّ ضَرَاراً لتَعْتَدُوا (1). قال تفسير ذلك أنه إذا كان الرجل يطلق امرأته فيدعها، حتى إذا كان عند انقضاء العدة، راجعها، ثم يطلقها ليطيل عليها

الأعراب، وقالت هل لك في امرأة تتزوجها وتبيت معها الليلة وتفارقها صبحا، ففعل، فقالت له: إذا قالوا لك فارقها فلا تفعل فأغلظوا عليه أن يفارقها، فسأل عمر له فقال له: أمسك عليك زوجك. فكان يغدو ويروح حلة، وإذا مر على عمر قال: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح. ورفع إلى عثمان رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما، وقال: لا ترجع للأول إلا بنكاح رغبة لا دلسة. وهذا يدل على أن نكاح المحلل زنا. وعن عمر: لا أوتى بمحلل ولا مُحلل له إلا رجمتهما.

وإن كانت أمة فطلقها تطليقتين، وهو المشهور، وقيل ثلاث كالحرة، وتسراها رجل وفارقها لم تحل للأول، لأن التسري غير تزوج، ولأن الله عز وجل قال: {فَإِنْ طَلْقَهَا فَلا

جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَتَرَاجَعَا} [سورة البقرة: 230]. وفراق المتسراة غير طلاق.

وتنكح بمنعى توطأ، فإن تزوجها رجل وطلقها قبل أن يطأها لم تحل للأول. وأخطأ سعيد بن المسيب في تحليلها بمجرد العقد عليها، وفسر النكاح بالعقد، وليس ذلك حجة، فإنه إن فسّر بالعقد فقد اشترطت السنة الوطء، جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: طلقني /74/ رفاعة ثلاثا، وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله له وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". [صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره … ، حديث 5317].

ومعنى حكم عمر برجم المحلل له لأنه تزوجها بنكاح المحلل، ونكاح المحلل زنا، فإن ردها به ودخل بها فهو زان كالمحلل، فكلاهما، زان وذلك مذهب مالك وأحمد والثوري والظاهرية وكثيرين. وقيل غير ذلك، وهو أن عقد المحلل غير زنا، وأن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وشهر الخلاف في أن النهي يدل على فساد ما هو فيه، وحمل بعضهم النهي على من اتخذه مكسبا أو شرطه في العقد، وأما من نواه في قلبه فمأجور.

واسم زوج رفاعة المذكور عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك.

(1)

سورة البقرة: 213.

-312 -