الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧٥

المَقْصُوْرَةُ»

(مُذَيَّلَةٌ بِتَقْدِيْمٍ وَحَوَاشٍ شَارِحَةٍ).

() خلافاً لأسلوبه في النونية، نجد أن أبا مُسلم في المقصورة شاعر يستخلبُ، ببصيرة وقادة، ضرع بلاغة أسلوبية مُلغزة؛ لغةً واستعارة وكناية لبلوغ القصد الذي لا يُعبر عنه باستنهاضية مباشرة ـ كما لو كان، هنا، يخاطب نخبة النخبة في عصره ـ مثلما تقصد عن وغي جارح مخاطبة الشرائح العريضة بلغة استنهاضه الشامخ في نُونيَّته المزنان. والمقصورة واحدة من أهم قصائده، رغم ذيوع النونية التي حَجَبَتْ - بانتشارها الواسع بين القاصي والداني - فرَادَة فريدته المَقصُورة التي تضاءل الإلتفات لها بسبب لغتها المُستعصية حتى على النُّخب المثقفة التي لم تُفكّك الماحات بيانها. وهي قصيدة يفتتحها بمطلع طللي يَنحَتُ جِدَّة أسلوبه الإبقاء 1 - عن سَبْقِ ترصُّدٍ جَمالي - على نفحة من شميم عُيون مطالع الشعر الجاهلي الرفيع. فمَمْدُوحَتُهُ الرَّاحِلة [وهي ناقة ستتحول، فيما بعد، إلى فرس وفارسه الذي يقطع أعناق الأعداء بسيف بَرْقِه]- ممدوحته تلك، وفضاءات ترحلها: الأطلال بين تنتحي عن أفقية مسعاها لترتفع ظلال تمجيدها الشعري بلوغاً بها - بحنين صاحبها الشاعر، بالأحرى ـ بعداً أسطورياً لافتاً بمُعجمه الفريد والمُستعصي على القبض، لتترحل به ويترحل بها إلى نواحي مقاصده في حقب المقصورة. وهي مقاصد لا يُفصح عنها، بل يُلمح إليها مازجاً مِلْحَ قضيته الخاصة بفلفل عامها المتمثل في حرقته على حال الأمتين العربية والإسلامية وتدهورها المشين؛ لتكالب الأعداء عليهما من استعمار وولاة أمر صاغرين له رغم وثائق «استقلالهم»، مستثمراً في بنائها أقصى ما أتاح له الزمن من تخمر القصيدته في غربال جماليات المُعلّقات الشاهقة بحنينها وظغنها واستيحاش أناشيدها الطللية المضمخة بنوستالجيا فجائعية؛ تعالجها المقصورة بمبضع جراح حاذق وقادر على خلق توازن يُخفي المسافة الهائلة بين أسلوبيته المُجترحة والمُمَجّدة - إن صح التعبير - لحقبة جاهلية تمكن من ترميم قدامتها شعرياً اجتراحاً لشعريَّتها الموازية في بدايات القرن العشرين، تعبيراً مفارقاً. عن ضحالة واقع مستلب. والمقصورة - قضراً للقول - مُعلقة حِكمَةٍ مُحكمة جمع فيها تالد القول بآبده لتستولد، قرناً بعد قرن، وضُوحَها المُنحَلَّ أبداً في غموضها العَصِيّ بظلالها وتعدد مستويات التأويل، كأنما لإبانة اقتداره، إلى جانب قدرتها على مواجهة محكم الزمن في ديمومتها التي تعالت عليه وعلى صروفه.) في توضيح وتفسير ما استعصى من غريب مُفردات المقصورة ومعانيها استأنسنا واستر شدنا بكتاب: الدرر المنثورة في شرح المقصورة للشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي الفنجاوي الذي عثرنا=

475