الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني: شاعر زمانه وفريد أوانه (1860-1920) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

Alsaidia_36_Modified

الجزء ١ · صفحة ٨٥٩

حَنِين جَاهِلِي)

قَضَتْ وَطَراً مِن سُكْنِ أَفنَاءِ نُعْمَانِ فَشَطَّتْ بِالْبَابِ قَضَيْنَ بِأَشْجَانِ أبانت سُرُور القلبِ مِنها بِبَيْنِها وَجَدَّتْ بطَيِّ البِيدِ فِي نَشْرِ أَحْزَانِ كان ظلال الأنس لما تقلَّصَتْ طولها بأيديها قلاص (1) كَعُقبان (2) وهيج ما بي أنها يوم وَدَّعَتْ شَجَاها النَّوى شَجْوِي فنحنُ شَرِيكَانِ كان سَقِيطَ الدَّمْعِ مِن عبراتنا على عاتقينا نشرُ دُرُ ومُرْجَانِ فوَلَّتْ بها ما بي وقلبي وقلبها - برائعة التفريق - للوَجدِ رَهْنانِ تُفَدِّي حياتي والمُفدَّاةُ نفسها وَتَقتُلُني سِخراً بأَدْعَجَ فَنَّانِ ولما اشعلت بالظُّعُونِ مَطِيها وَضَمَّنَ مِنها الشجفُ دُرَّةَ دُعْقانِ بكيتُ على أثرِ القَطِينِ ولا بُكا مُفَجَّعِةٍ لكُلى من الفقدِ مِرْنانِ

عُمان

(*) العنوان من وَضْعِنا - والقصيدَةُ ترجّعُ نفحَةً من الشعر الجاهلي يستعيد فيها الشاعر رَبعَهُ وَمَرَابِعَهُ في بعد. أن حَل في شرق أفريقيا. (1) القَلُوص: الإِبِلُ فَيَّةٌ مُجتَمِعَة الخَلْقِ، جَمْعُها: قلاص.

(2) هذا واحِدٌ من الأبيات التي استوقفتني فيها بنيةُ الصُّورة الشعرية المُنفلتة من تكرار النمط إلى ينابيع الشعر في غَريبه الخلاق غريبه المُقصى عُنوةً - أو اعتياداً - من الإلتفات النقدي والجمالي، على حد سواء. فالصُّورَة مُرَكَّبة بحيث تحْمِلُ حَنينها الدفين إلى أبعد مما تُظهِرُهُ حافة التعبير المقيد بالقافية. في ظلال الأنس» المتقلّصة رُويداً رويداً (وهي تضمحل في ذاكِرَة الشاعر) بالتوازي مع حَرَكَة الرَّاحِلة - لا تكتفي باضمخلالها، بَلْ تُكَفَّفُ وتُصَعَّدُ شِعرياً لتطوى كالحصيرة بأيدي (القلاص) التي لم يعد مشيها وتيداً، بل مُجنّحَةً كالعُقبان تملأ السَّماء، كما تملأ سَماء مُعادِلها الموضوعي: جَسَارة الصورة الشعرية وما يلازمها من جَسَارَة مُجنّحَة في فضاء التأويل. وقد تطرق إلى نفس المعنى في قصيدته النونية: فطالما وَحدَتْ تبغي لُبَانَتها | كَأَنَّهُنَّ مع الإنضاءِ عُقبَانُ».

859