نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

108

نداء الحق

بروضة غناء باكرها قطر الندى، فازدادت نضارة وطيبا، حتى أسر قلبها الذائب عندما تخيلته فارس أحلامها الأوحد وبطل آمالها المسدد، فاعتقدت أنها ستجد عنده نعيمها، وخلدها، فما كان منها إلا أن أسلست له قيادها وسلمته نفسها، فإذا به يتحول إلى ذئب مسعور لا يرق لضحيته، ولا يزيده تضرعها وبكاؤها إلا قسوة وضراوة، إذ لا هم له إلا أن ينشب أنيابه ومخالبه في أي ضحية يتمكن منها، وإلى أرقم أقرع لو نفث نفثة من سمه مه في محيطات البحار لأودى بكل ما في سطحها وأعماقها، وتحولت إلى بحار ميتة، فغدت تلك الضحية تتقطع ألما وتذوب ندما، ولات ساعة مندم، بعدما رزأها في أعز ما تملك وأغلى ما تدَّخر، ولربما خلف في أحشائها جنينا يزعجها بما تحسه في صمته وسكونه من أنينه وعويله للمستقبل الأسود الذي ينتظره، فإما حياة كلها تعاسة وشقاء وعنت وبلاء واحتقار وازدراء وإما واد في مصحات الإجهاض.

ما

وقد لا يكفيه أن يرزأها عرضها ويدوس شرفها بل قد يرزؤها حياتها، وكل

عسى

أن تملك من مال.

فلست أنسى تلك الفتاة التي ألحت على أن تفضي إلي بسره رها، الذي كانت تكنه بين حنايا صدرها، وتبثني همومها المؤرقة، وتعرض علي مشكلتها المعقدة المستعصية، ومأساتها البالغة، المحزنة، وقد أزاحت الستار عن سرها المعمى التي لم تطلع عليه أقرب قرابتها وأخص خاصتها، وهي أنها تحقق لها حلم أن تجد وظيفة تغدق عليها ريعا سخيا وكان من بين زملائها شاب مظهره الطَّيْبُ والوَدَاعَة، وهو يحمل بين جنبيه قلب سبع فتاك، فأظهر لها حبا عميقا وإخلاصا بالغا وبسط لها من الآمال بساطا نثرت عليه ورود فواحة، فتخيلته أنه أملها الوحيد، حتى نسيت حنان أبيها الحاني ولطف أمها الرؤوم، فاستدرجها إلى أن رزأها في عفتها وشرفها، وتبين لها فيما بعد أنه مصاب بمرض فقدان المناعة المكتسب وقد نقل إليها هذا الداء العضال، ولم يكتف