نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣

المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان بالله وتصريفه الخلق

13

وهو يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يربي هذه الأمة وفق هذا السَّنَن الذي ينسجم مع الفطرة، ويلتئم مع هداية القرآن وبهذا كان يطهر عقولهم من كل لوثة من لوثات العقائد الجاهلية، التي رسخت في أتباعها أن الله سبحانه مزاحم في خلقه وأمره من قبل شركاء يزعمونهم، وكم جاء القرآن الكريم بقوارع، نذره، وصوادع حججه وبراهينه ودوامغ آياته البينات ليخلص الإنسانية التعيسة الحائرة من هذه الأوهام التي حالت بينها وبين إصاخة سمعها إلى نداء الفطرة، الذي يجلجل في جنبات الوجود، وغشت أبصارها بأغشية أن تستهدي بأنوار العقل الكاشفة لهذه الحقائق من وراء حجب الأوهام، فقد أقام القرآن على الذين زاغت عقولهم بينات لا تدفع ـ من أنفسهم، ومن كل ما يزخر به الوجود من عجائب خلق الله ـ على أن كل شيء بيد الله، وما كان لأحد من خلق الله تعالى أن يتطاول عليه سبحانه فيرد له قضاء، أو يبدل له سنة، أو يدفع له حكما.

وهو عندما يحاورهم في ذلك يدفعهم إلى التأمل والنظر في تصاريف الوجود وسنن الخلق، وقد عجبهم من دعاء غيره تعالى لكشف ضر أو تحقيق نفع، كما في قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَننَا اللهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (الأنعام: 71، فكيف يترك الإنسان التوجه إلى الله في ملماته، ويتوجه إلى مخلوق مثله لا ينفع ولا يضر، بل لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا، فضلا عن أن يفعل ذلك لغيره؟ ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ؟! السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ﴾ الرعد: 16، فإذا كانت الربوبية الله الله وحده؛ فمن الذي يزاحم قضاء الله بقضائه، أو يعاكس أمره بأمره،