نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ١١٥

المحور الخامس: في العلاقات الاجتماعية وبناء الأسرة الصالحة

115

إلى دركات أدنى مما عليه الحيوان، فإن ذلك أمر يطول شرحه، وشواهده بينة مما فاهت به ألسنة هؤلاء الذين يعانون هذه المعاناة وسجلته أقلامهم، فلا أعجب إلا من طبيب كان واجبه أن يعالج المرضى بما أوتيه من مهارة في الطب ودراية بالعلاج ووفرة في الدواء، ولكنه بدل أن يقوم بهذا ينقل أمراض المرضى إلى نفسه، فأمة الإسلام تحتاج إليها الأمم لشفاء أسقامها وتقويم اعوجاجها بما آتاها الله من بصيرة القرآن وهدي النبي، ولكن بدلا من ذلك أصبحت ترتكس فيما ارتكست فيه الأمم، لا تلوي على صوت القرآن الذي يرن في جنبات الوجود، ولا على نوره الذي يشعشع في آفاق الكون.

من أعظم المصائب جشع الآباء وحرمانهم بناتهم من حقهن الفطري والمالي: وكم تكون المصيبة في جشع الآباء وحرصهم على الاستئثار برواتب بناتهم وخشيتهم أن تفوتهم عندما يزوجونهن، فلا يجدون سبيلا لتحقيق مآربهم إلا بعضلهن عن الزواج، فيغدون صما بكما عميا، لا يسمعون موعظة ولا تنفعهم عبرة، لا يبالون إذا أتتهم بناتهم وقد أثقلت أرحامهن أجنة حملنها من هنا وهناك، حيث الاختلاط في العمل ووجود الفرصة للخلوة بالزملاء في أماكن غير محصورة، وما هؤلاء الآباء الذين طمست المطامع أبصارهم وبصائرهم إلا آفات المجتمع وجراثيمه الفتاكة التي تسري في جسمه فتتفشى فيه الأوباء التي لا تبقي ولا تذر، وقد عمي هؤلاء وصموا عن زواجر القرآن الذي يحذر إيما تحذير من عضل الأولياء لمولياتهم عن تحقيق رغبتهن في الزواج، ويؤكد أن العضل لا يكون ممن يؤمن بالله واليوم الآخر كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَاَضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 232، فإن هؤلاء لا يهمهم الزكاء والطهر، وإنما همهم معقود بما يجنونه من المال ولو جنوه بظلم مركب من حرمان بناتهم من حقوقهن المالية