نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

المحور السادس: فيما يتعلق بالعقل

155

وعن أبي هريرة له أن رجلا كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فأهداها إليه عاما وقد حرمت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها قد حرمت»، فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها قال أفلا أكارم بها اليهود قال: «إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: «شنها في البطحاء» (1).

وبين

والمؤمن هو من ينساق مع أمر الله تعالى ويستجيب لداعيه ولو حال بينه أحب الأشياء إليه، وأعزها في نفسه، فإن الإيمان لا يتحقق إلا بالانقياد لحكم الله فعلا وتركا، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ الأحزاب: 36، وقد علمت ما هو حكم الله وحكم رسوله في الخمر.

لهذا؛ عندما نزل تحريمها القاطع في كتاب الله تعالى لم يتردد الرعيل الأول من المؤمنين في تركها، ولم يكتفوا بذلك وإنما أتوا بما يدل على أنهم عقدوا عزمهم على القضاء على كل أسباب الخمر حتى لا تبقى نفوسهم متطلعة إليها أو مولعة بذكرياتها، فقد قاموا في ساعتهم إليها فأراقوها وكسروا دنانها، حتى لا يبقى ما يذكرهم بها، فعن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، وأبا طلحة الأنصاري شرابا من فضيخ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار

فاكسرها، قال: فقمت إلى مهراس، لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت» (2).

وتلك

هي ترجمة عملية لانقيادهم المطلق لأمر الله، وعدم الالتفات إلى

منادي الشيطان الذي يغريهم بها، وعدم الالتفات إلى ما اعتادوه من قبل، فقد كان العرب من أكثر الناس إدمانا على الخمر وإعجابا بها، وتفاخرا بمعاقرتها

(1) أخرجه الحميدي (447/ 2 رقم: 1034). (2) أخرجه ابن حبان (186/ 12 رقم: 5346).