Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧١المحور السابع في السكوت عن المنكرات
171
أما ما رواه الحاكم عن عكرمة أنه قال: قال ابن عباس: «فأسمع الله يقول أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} الأعراف: 165، فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة؟ قال ابن عباس: فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه، قال عكرمة: فقلت: ما ترى جعلني الله فداك؟ إنهم قد أنكروا، وكرهوا حين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ فأعجبه قولي ذلك وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما، فإن في نفسي منه شيئا، وإن قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ذلك لأن الله تعالى أنكر على بني إسرائيل سكوتهم عن المنكر بل لعنهم على ذلك، كما هو منصوص عليه في قوله لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة: 78 - 79، فلم يقصر اللعن على المعتدين وحدهم وإنما عمم ذلك في الذين ركبوا المنكر والذين سكتوا عنه، وقد علمت مما تقدم من الروايات أنهم منهم من ينكر ولكنه لا يلبث مع إنكاره أن يعاشر من وقع في المنكر، فلعنهم الله جميعا، وهؤلاء كانوا عاذلين للذين نهوا عن السوء بقولهم: [لِمَ يَعِظُونَ قَوْما اللهُ مُهْلِكَهُمْ)، ومجموع هذا كله يدل على أن الصواب في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: «فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم». ولا يخفى على ذي لب أن سكوت الناس عن المنكر من غير أن تنكره ألسنتهم وتشمئز منه قلوبهم وتنفر منه طباعهم هو سبب لألفته، وتدرج الناس من منكر إلى آخر، فإن كل مصيبة تجر وراءها، مصائب، والشيطان يستدرج أولياءه، ويَدُعُهُم فى الموبقات دَعا، أما إن عافوا المنكر ورفعوا عقيرتهم بإنكاره ونفروا منه فإن ذلك يصبح حاجزا بينهم وبين ارتكابه، وبسبب ذلك
كان
-
(1) الحاكم المستدرك على الصحيحين، 352/ 2.