Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٨٤184
نداء الحق
هذا؛ في حين أن جماعات من الناس غير قليلة تبيت طاوية تتضور جوعا، ولا تكاد تجد ما تقتات به، وقد نما إلي أن جماعة من الناس وجدوا عاملة في بلاد عربية أمام أكوام من اللحوم والأطعمة وهي تبكي بكل حسرة وألم، فسألوها عما يبكيها؟ فأجابت: بأن أهل البيت الذي تعمل فيه أمروها أن تلقي هذه الأطعمة في المزابل وأولادها في دارها لا يجدون ما يقتاتون به.
البطر بالنعمة سرعان ما يحولها إلى نقمة:
كم جرَّ هذا البطر الناشئ عن الغرور بالغنى على أهله من مصائب ومحن لم تقف عند حد، وقد أنذر الله تعالى الذين بطروا معيشتهم بهلاك في الدنيا يجعلهم عبرة في الأمم وعظة لمن كان له قلب، فقد قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكَنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) القصص: 58.
لهم
وكم شاهدنا في حياتنا هذه من أحداث عظام قوضت أمما ما كانت تحسب أن دائرة الزمن ستدور عليها، ولا كان يدور بخلدها أن الدهر بعد أن أسلس قياده سينقلب عليهم، وسيسلب منهم ما كانوا يتقلبون في أعطافه من أنواع النعيم، وسيجردهم مما ألبسهم من ثياب العز والفخار، فكم تفجر في التاريخ الجديد من ثورات مدمرة أهلكت الأخضر واليابس، واجتاحت الطارف والتليد بشؤم البطر والإغراق في الترف.
وقد أنذر المفكر الإسلامي الكبير الشيخ العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي العرب بهذه الثورات العنيفة قبل أن تظهر طلائعها، وذلك عندما كان يفتح عينيه في عواصمهم الكبرى فيرى من نذر العذاب ما يؤذن بشر مستطير، وقد أرسل كلماته في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين مدوية بالإنذار والتحذير من عاقبة الغرور بما هم فيه من الترف، ونسيان ما يعقبه من التلف الذي يأتي على كل
شيء ويبيد الأمم حتى تكون خَبَرًا بعد خُبْرٍ وأثرا بعد عين، وذلك في قوله: