Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٩٠190
نداء الحق
كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة: يتعاونون على البر والتقوى عن غير ارتباط بعهد ونظام بشري، كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره وقد شهد الله - تعالى - لهم بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران: 110، ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد ونكث ذلك العهد، صرنا محتاجين إلى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب التعاون على البر والتقوى في أي ركن من أركانه أو عمل من أعماله، وقلما ترى أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر يعينك على عمل من البر، ما لم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء، فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟ فالذي يظهر أن تأليف الجمعيات في هذا العصر، مما يتوقف عليه امتثال هذا الأمر، وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما قال العلماء، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية إذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يعنوا بهذا كل العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لإصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم اهـ). هذا؛ ولا يخفى ما لشهوة المال من أثر كبير على النفس البشرية حتى تصبح أسيرة لها تملي عليها كل ما يصدر عنها من فعل، ولا يكون ذلك إلا شرا يقطع الأوصال بين الناس، ويُغَوِّرَ في نفوسهم ينابيع الرحمة والشفقة والحنان، فلا يعطف قريب على قريبه ولا قوي على ضعيف ولا ثري على محتاج، وإنما يزداد الثري كلما أوتي شيئا من المال سعارا في حبه، وبحثا عن وسائل الاستزادة منه وأسباب الاستعلاء به في الأرض، ونشر أنواع الفساد،
(1) المرجع السابق، 108/ 6 - 109.
(1)