نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٩١

المحور الثامن فيما يتعلق بالأموال

191

وقد جعل الله تعالى في هذا الإنفاق المشروع سواء كان من الزكاة المضبوطة بالقيود الشرعية أو من سائر النفقات علاجا لهذا الداء العضال، وفكاكا من الاستئسار لهذه الشهوات ويدها الحديدية التي تقبض على النفس فتمنعها من كل خير وتدفعها إلى كل شر، فكم اعتدى قريب على قريبه فأودى بحياته لأجل أن يستأثر بثروته، وكم قسا قوي على ضعيف من أجل أن يبتز كل ما في يده من خير، حتى لا يعود قادرا على مواجهة شيء من لأواء الحياة، وقضاء أي

ضرورة من ضروراتها؟؟.

ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون في شريعته الشاملة وحكمه العادل أنجح علاج لهذا الداء المميت، لذلك شرع الإنفاق في الأموال لتفجير ينابيع الرحمة في القلوب، ولتتدفق برا وإحسانا يصل أولي القرابات لتشتد الأواصر وتقوى العلاقات بينهم، ويغمر أولي الحاجات فيجدون ما يسدون به حاجاتهم ويقضون به مآربهم، وينتج عن ذلك الوئام بين كل الأطراف والحب الغامر الذي يجعل الجميع كأنهم نفس واحدة، كما صوره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى

وقد بين الله تعالى الحكمة العالية من مشروعية الصدقات في قوله: ﴿خُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُ تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103، وهي حكمة مشروعية بقية النفقات، فإنها جميعا تقضي على أثرة النفس وشحها ورغبتها في الاستبداد بالمال، فإن كل من اعتاد الإنفاق في الخير والسخاء في أعمال البر لا يكاد يجد محتاجا حتى تهفو نفسه إلى سد حاجته بما يدفعه إليه من مال، بل يتألم لحاجة كل محتاج حتى يكون على يديه قضاؤها، ولا يكاد يرى منكوبا حتى

يسرع إلى تخفيف مصيبته ورفع آثارها عن نفسه بما يعينه به من الخير.

(1) سبق تخريجه.