Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
209
تنخلع ما بين جوانحهم، وتتطاير هممها وتذوب، عزائمها، وأرجفوا الأرض من تحت أقدامهم حتى شعروا بها تقذفهم من عليها، فيهوون إلى غير قرار، كمن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. ولا ريب أن أولئك تربوا عقيدة وفكرا وسلوكا وعملا، وعزيمة وهمة، وجلدا وصبرا وفضيلة وخلقا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يحرص على استقلالهم في كل جزئية من حياتهم، لئلا يتأثروا بغيرهم في شيء، لأنه جاءهم بمنهج متكامل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وبوأها ـ في نظام رتيب - مكانها اللائق بها وكان شديد الحساسية دقيق المراقبة، لا يدع أي قضية ـ ولو دقت ـ أن تمر بهم من غير عرضها على المحك النقدي، فحتى في الأمور العادية في حياة الناس كان يحرص على تجنيبهم التأثر بالآخرين، كما جاء عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد فعرض له حبر فقال هكذا نصنع يا محمد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «خالفوهم»
(1)
•
وأنت تدري أن القيام والقعود من الأمور الطبعية التي تعود إلى ملاءمة وضع الإنسان في أحواله، فتارة يكون القيام أنسب له وتارة يكون القعود هو الأنسب، وكل ذلك من المباح شرعا، لأنه من الأمور الاعتيادية، وإنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم القعود في حال دفن الميت مخالفة لليهود ـ مع أن القيام قد يكون أسمح للحركة فيما لو أراد أحد المشيعين أن يقوم بمشاركة عملية في الدفن ـ حتى لا يقع في نفس بعض الضعفاء من المسلمين أن يقوم متابعة لليهود ومجانسة لأعمالهم، لأن أثر ذلك عظيم على نفس المسلم ولو بدا له أنه أمر تافه، فإن الاستهانة بالجزئيات تسرع في نفس الإنسان فلا يلبث أن يستهين بالكليات وعدم المبالاة بالمحقرات يؤدي إلى عدم الاكتراث بالعظائم.
(1) أخرجه ابن ماجه (493/ 1) رقم (1545، والترمذي (331/ 3 رقم: 1020) والبزار (132/ 7 رقم: 2685 والبغوي في شرح السنة (331/ 5 رقم: 1487).